الصفحة الأولى السيرة الذاتية الخبر اليومي المقالات نصوص مقابلات آرشيف مقالات الرآي أرشيف الفيديو

للتعليق

 
 

مقالات الرأي السابقة - حزيران - يونيو - 2010

 

قيادة القضية الفلسطينية بين تركيا وإيران
2010/06/04

خرجت من البطش الإسرائيلي بالمدنيين على متن قوارب القافلة البحرية في المياه الدولية توازنات يمكن أن تقود الى حلول جذرية إذا تصرف أقطاب «اللجنة الرباعية» الدولية بحكمة وجرأة وإذا أحسنت القوى الإقليمية، وعلى رأسها مصر وتركيا، قراءة الفرص المتاحة لدعم فلسطين بلا مزايدات. إسرائيل فقدت صوابها في الآونة الأخيرة لأنها تحت ضغوط هزّت ثقتها بقدرتها على رسم خطوات تمشي فيها الولايات المتحدة الأميركية، كالعادة. إيران قلقة من تنامي دور تركيا، لا سيما ان القافلة البحرية التي فضحت البطش الإسرائيلي تحركت نحو غزة بقرار كسر الحصار برعاية تركية سياسية وليس باعتباطية إنسانية. وهذا يعني ان تركيا قررت استراق القضية الفلسطينية من المصادرة الإيرانية الشيعية لها لإعادتها الى القيادة السُنّية. يعني أيضاً ان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يلعب سكتين مع إيران، إحداهما سكة الاحتضان في الملف النووي ليقحم تركيا في محادثات الدول الكبرى في الشأن الإيراني. والسكة الثانية هي سكة انتزاع شعلة الراية الفلسطينية من القوى الشيعية المتمثلة أولاً بإيران وثانياً بـ «حزب الله».

دخول مصر على التوازنات هذه لافت جداً ويستحق التدقيق على الصعيد الآني وصعيد موازين القوى في المنطقة، فالقضية الفلسطينية باتت أداة من أدوات الحنكة السياسية والعاطفة الشعبية الإقليمية. مصر فتحت معبر رفح «حتى إشعار آخر» بإجراء يفيدها إقليمياً ومحلياً. فهي شقت طريق دور عربي على المنافسة الإيرانية – التركية في شأن القضية الفلسطينية. وهي تدرس ما إذا كان معبر رفح الى غزة معبراً لها لتفادي أزمة حكم داخلية. منظمة «حماس» قد تكون المستفيد الآني من العملية العسكرية الخائبة ضد «أسطول الحرية»، إلا أن «حماس» ستكون أكثر فأكثر تحت المجهر لأن الحصار الإسرائيلي غير الشرعي أتى انتقاماً من فشل «حماس» في ضبط نفسها «كحكومة» ومن فشلها في ضبط غيرها من الفصائل الفلسطينية. السلطة الفلسطينية أيضاً ستكون تحت الرقابة. فإذا أحسنت توظيف الرأي العام العالمي الغاضب من تمادي إسرائيل بلا عقاب، فقد تتمكن من حشد الدعم الملموس المبني على استراتيجية تمكين الفلسطينيين من بناء مؤسسات تقود الى إنشاء دولتهم المستقلة. حتى الرأي العام، لا سيما العربي، تحت المجهر. فقد حان له أن يكف عن العاطفية الاعتباطية، وأن يلعب دوره الضروري في دفع الأمور نحو إيقاظ القيادات الى مخاطر ألاعيبهم التدميرية، وأن يكون رأياً عاماً بنّاءً حقاً بتماسك ووعي واستمرارية.

أقطاب لجنة «الرباعية» التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة مطالبون اليوم بأدوار غير تلك التي تميّزت بالتردد بالمواقف التجميلية، بل مواقف مسيئة أحياناً بسبب قصر نظرها.

اليوم، يجب على الأمم المتحدة والأمين العام بان كي مون عدم الاكتفاء ببيانات الإدانة والتنديد بالخروقات الإسرائيلية للقانون وللأعراف الدولية ولضربها عرض الحائط بالمطالبات المتكررة برفع الحصار عن غزة. اليوم، حان الوقت لجرأة أكبر من جانب الأمم المتحدة لتؤكد مركزية القانون الدولي والشرعية الدولية بلا تردد ولا اعتذار ولا خوف ولا التباس. فإذا كان تقرير القاضي ريتشارد غولدستون قد سقط في دهاليز السياسة وأزيلت عنه الحاجة الفورية للمحاسبة، فإن مأساة القافلة البحرية يجب أن تكون مدخلاً الى تعامل جديد للأمم المتحدة مع الخروقات للقانون الإنساني والقانون الدولي.

التحقيق الدولي المستقل أساسي، لا سيما ان التحقيقات الداخلية الإسرائيلية أثبتت دائماً انها رهينة الحسابات والموازنات السياسية تحت غطاء المصلحة الوطنية والأمن القومي. على الأمم المتحدة أن تجهّز نفسها بملف متكامل لشتى الخروقات الإسرائيلية كي تتمكن من الوقوف بثبات وجدارة عندما تتحدى هذه الدولة المحمية تقليدياً من المحاسبة. هذا واجب أخلاقي على الأمم المتحدة وعلى الأمين العام بان كي مون.

اقرأ مقال الرأي كاملاً



 

 

هل تنجح العقوبات على إيران في إضعاف النظام؟
2010/06/11


العقوبات الشاملة التي فرضها مجلس الأمن على إيران قبل يومين ستؤذي النظام الحاكم في طهران بشق «الحرس الثوري» فيه لكنها قد تفيد الأقطاب الآخرين داخل النظام، عمداً على الأرجح.

انحسار هيمنة «الحرس الثوري» على الساحة الإيرانية قد يفسح المجال أمام المعارضة الإيرانية لرفع رأسها والانطلاق مجدداً بزخم جديد. لكن تقوية شق الملالي داخل النظام يخاطر بقطع الطريق على الإصلاحيين مع أن الرأي السائد هو أن الإصلاحيين في المعارضة هم جزء من النظام الذي يريدون إصلاحه. الرهانات والتلاعبات على الانقسام داخل الدولة الواحدة لا يقتصر على إيران. ما حدث في مسيرة الخمسة شهور نحو تبني مجلس الأمن قرار العقوبات هو «حفلة» انقسامات بدأت داخل الصين وبينها وبين الدول الغربية الكبرى في مجلس الأمن، وانتهت في صورة مذهلة بمجلس الوزراء اللبناني وهو يصوّت على تعليمات التصويت للوفد اللبناني في مجلس الأمن ويسجّل انقسامه 14/14 صوتاً. تركيا لم تنجُ من إحراج الانقسام إذ أن وزير خارجيتها أحمد داوود أوغلو أبلغ وفده في نيويورك بتعليمات الامتناع عن التصويت على القرار، انما وفي اللحظات الأخيرة أتت التعليمات من رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان بالتصويت ضد القرار. جاء ذلك في أعقاب زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لتركيا وإبلاغه أردوغان أن «الانقسام» في التصويت بين موقفي البرازيل وتركيا سيؤدي الى نسف «إعلان طهران» الذي توصلا إليه مع القيادة الإيرانية. ووافقت إيران بموجب ذلك التفاهم على إرسال قدر معيّن من اليورانيوم للتخصيب في الخارج ليعود وقوداً نووياً للاستخدام المدني لكنها أصرّت على الاستمرار في التخصيب المحلي وبنسبة 20 في المئة من التخصيب. رئيس البرازيل لولا دي سيلفا قفز على الانقسام داخل بلاده حول كيفية تناوله الملف الإيراني وتعريضه علاقة البرازيل مع الدول الخمس الكبرى للإحراج وربما للفتور مع بعض هذه الدول. قرر الرئيس البرازيلي لأسباب شخصية أن مصلحته تقتضي التصويت ضد القرار فأسفر موقفه عن جر أردوغان الى موقف مماثل بإيحاء – أو تهديد – من أحمدي نجاد. مقابل الانقسام في صفوف الدول العشر المنتخبة لعضوية مجلس الأمن وداخل الدول الثلاث التي لم تصوّت لمصلحة قرار العقوبات، سجّل الرئيس الأميركي باراك أوباما إنجازاً كبيراً في حشده الإجماع بين الصين وروسيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. فلروسيا والصين مصالح ضخمة مع إيران، وعلى رغم ذلك، وافقتا على نظام عقوبات هو الأقسى والأشمل بين العقوبات المفروضة على أية دولة، بما فيها كوريا الشمالية. واللافت أن الدول الخمس الكبرى زائد ألمانيا تسير موحّدة في مسار العقوبات بهدف إقناع إيران بالتجاوب مع حوافز مسار المفاوضات وتعدها بتعليق العقوبات لو تجاوبت مع مطلب تجميد تخصيب اليورانيوم. أما البرازيل وتركيا فإنهما تلعبان لعبة خطيرة في سعيهما وراء إبراز وزنهما الإقليمي والدولي وكعضوين منتخبين في مجلس الأمن باقتحامهما إجماع الدول الخمس النووية الكبرى لكسره. وهذا يعطي الانطباع الخاطئ والخطير لإيران ويشجعها على التحدي والمكابرة والرهان على انقسامات بلا فائدة. فقرار العقوبات ملزم لجميع الدول بما فيها تركيا والبرازيل ولبنان، وهذه الدول ستكون تحت المراقبة والمحاسبة إذا انتهكت نظام العقوبات على إيران.

وكمثال، هناك آليات تتضمن «لجنة العقوبات» و «فريق خبراء» لمراقبة امتثال جميع الدول لحذافير بنود القرار وتجيز زيارة البلد الذي يُشكك في إمداده إيران بالأسلحة أو يُسهل تهريب السلاح منها أو إليها أو يتسلم السلاح المحظور منها، والقيام بتحقيق توضع نتائجه أمام مجلس الأمن بهدف المحاسبة.

لبنان، مثلاً، سيكون تحت المراقبة. فمجلس الأمن بقراره الرابع الذي يفرض العقوبات الشاملة فرض حظر تصدير واستيراد الأسلحة التقليدية من إيران، كما منع الدول من تقديم الخدمات المالية بما فيها خدمات التأمين أو إعادة التأمين أو تحويل أصول أو موارد مالية أو غيرها الى أراضيها عبرها أو منها «إذا كانت لديها معلومات توفر أساساً معقولاً للاعتقاد بأن تلك الخدمات أو الأصول أو الموارد يمكن أن تسهم في أنشطة إيران النووية الحساسة». ولأن في لبنان أطرافاً ومنظمات مثل «حزب الله» لها علاقات وثيقة مع إيران في مختلف المجالات، فلبنان تحت المجهر أكثر من غيره. انه سيخضع لمراقبة أدق في مختلف العلاقات بين مواطنيه وبين إيران، خصوصاً مع «الحرس الثوري». وضمن ما سيُراقَب ويُحاسَب عليه لبنان اليوم هو تسلم أطراف فيه السلاح المحظور أو تهريب أية أسلحة عبره الى إيران، وكذلك العلاقات المالية، علماً بأن القرار كبّل إيران في مداولاتها المصرفية والمالية.

تركيا أيضاً تحت المجهر انما من منطلق آخر هو منطلق ما هو مطلوب من جيرة إيران المباشرة، جواً وبراً وبحراً. فالعقوبات الجديدة تطالب الدول بإجراءات في مطاراتها وموانئها وعلى حدودها، وهي تعطي الدول صلاحية اعتراض حركة الملاحة المشكوك فيها، من إيران أو إليها، لإجراء «عمليات تفتيش» في المياه الدولية إذا توافرت لديها معلومات بأن السفينة تحمل مواداً محظورة – الأمر الذي يطوّق إيران بحراً وبراً وجواً.


اقرأ مقال الرأي كاملاً



 

حرب أوباما في أفغانستان وثرواتها الطبيعية
2010/06/18


خبر اكتشاف موارد طبيعية معدنية ضخمة في أفغانستان بقيمة تريليون دولار وأكثر مهم جداً لمستقبل العلاقات الدولية وبالذات العلاقات الأميركية – الروسية – الصينية وكيفية تناول الدول الكبرى للمسائل الإقليمية عامة وحيث يوجد النفط والمعادن القيّمة بصورة خاصة. إنه خبر مهم لمسيرة الحرب الدائرة في أفغانستان ولوضع الحكومة كما لوضع «طالبان» وهو قد يغيّر جذرياً الاقتصاد في البلاد الذي يعتمد كثيراً على استخراج المخدرات وليس على استخراج مجموعة معادن فائقة الأهمية للتكنولوجيا الجديدة. هذا خبر له أثره الكبير على علاقة الرئيس الأميركي باراك أوباما مع قاعدته الشعبية داخل الولايات المتحدة ومع خصومه السياسيين من الجمهوريين، علماً أن بعض قاعدته مستاء مما يسمى «حرب أوباما في أفغانستان» وخصمه الجمهوري لا يتمنى له النجاح في أفغانستان. مثلث العراق – إيران – أفغانستان كان مهماً أساساً في السياسات الأميركية منذ العقود الماضية إنما اكتشاف هذه الثروة الضخمة في أفغانستان سيضع ذلك المثلث تحت مجهر جديد وسيؤدي الى علاقات مختلفة بين الدول الكبرى.

بالتأكيد، سيكون هناك من يشكك في توقيت «اكتشاف» الولايات المتحدة هذه الثروة وتوقيت «الكشف» عنها اليوم. سيقول البعض إن أميركا تعرف منذ البدء بوجود هذه المعادن ولذلك أتى اهتمامها الدائم بأفغانستان، وحروبها المباشرة وبالوكالة هناك. سيقولون إن حرب أفغانستان، كما حرب العراق، هي حروب الطمع بالموارد الطبيعية. علماً بأن العراق يشكل ثاني أكبر احتياطي نفطي في جوار المملكة العربية السعودية حيث الاحتياطي الأكبر الأول. سيقولون إن الحروب الأميركية في العراق وأفغانستان مُصطنعة و «مُخترعة» ولم تكن يوماً بسبب أسلحة الدمار الشامل التي كانت ذريعة حرب العراق ولا بسبب «القاعدة» أو الإرهاب أو التطرف العنفي الذي ينمو في أفغانستان. إنما سيكون هناك من سيُذكّر أن الأطراف التي صنعت الأصولية في أفغانستان وخلقت «طالبان» وربما أيضاً «القاعدة» فعلت ذلك بقيادة أميركية وبشراكة مع دول إسلامية من أجل إسقاط الاتحاد السوفياتي وعقيدته المنافية للدين. ففي أفغانستان التي قام الاتحاد السوفياتي بغزوها واحتلالها في أواخر السبعينات بدأ انهياره.

ربما كانت لدى السوفيات والأميركيين دلالات مبكرة على ما في جوف التربة الأفغانية منذ عقود. وربما كانت حروب أفغانستان والعراق وما يتخللهما من «القاعدة» ومشتقاتها وأخواتها هي حروب الموارد الطبيعية منذ الأساس. إنما الواضح اليوم هو أن أسلوب باراك أوباما في التعاطي مع الدول الكبرى الأخرى مختلف تماماً عن أسلوب سلفه جورج دبليو بوش وربما عن أساليب الرؤساء الأميركيين الديموقراطيين وليس الجمهوريين فقط الذين سبقوه الى البيت الأبيض. ولهذا دلالات.

وكمثال، اعتمدت استراتيجية وعقيدة جورج دبليو بوش على استبعاد الآخرين عن «كعكة» العراق من اجل الاستفراد بفوائد الموارد النفطية اقتصادياً واستراتيجياً. فعقيدة بوش التي سُمّيت «العقيدة الاستباقية» كانت تهدف الى قطع الطريق على تحوّل الصين الى دولة عظمى منافسة للولايات المتحدة وذلك عبر السيطرة على منبع الموارد التي هي في أشد الحاجة إليها لتصبح الدولة العظمى، أي الموارد النفطية. ولذا كانت حرب العراق.

والأمر لم يقتصر على الصين بل أن روسيا كانت أيضاً مُستهدفة وكان ضرورياً للولايات المتحدة «استراق» العراق من روسيا الذي كان شبه «كعكتها». والسبب لم يكن استراتيجياً سياسياً فحسب وإنما كان اقتصادياً بلغة التموضع للمستقبل في العظمة. فالاحتياطي النفطي في العراق، إذا أُضيف الى الثروة النفطية الكبرى في روسيا وإلى امتلاك روسيا أكبر احتياطي من الغاز (تليه قطر)، فإن تلك تشكل عوامل رئيسية من عوامل القيادة في العالم. وربما كان ذلك أحد أسباب حرص الإدارات الأميركية السابقة على اعتماد سياسة استبعاد روسيا.

اقرأ مقال الرأي كاملاً



 

بترايوس صمام الأمان لحرب افغانستان
2010/06/25

لن تتغير السياسة الأميركية نحو أفغانستان بعدما استبدل الرئيس باراك أوباما قائد القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) هناك، الجنرال ستانلي ماكريستال، برئيسه الجنرال ديفيد بترايوس قائد القيادة المركزية للعمليات العسكرية الأميركية. فالسياسة التي اعتمدها ماكريستال وحارب أقطاب الإدارة الأميركية من أجلها هي نفسها التي يتبناها ويحتضنها بترايوس المقرّب جداً من ماكريستال. والمؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة ما زالت في القيادة بعدما اهتزت واهتز معها البيت الأبيض بسبب ما اعتُبرَ تطاولاً من قِبل الجنرال ماكريستال على القائد الأعلى للقوات الأميركية الرئيس باراك أوباما ونائبه جو بايدن ومستشاره لشؤون الأمن القومي جيم جونز وسفيره في أفغانستان كارل ايكنبري. باراك أوباما «قطع» امتحان القيادة الذي أقحمه فيه «الجنرال التائه» عندما وافق على استقالة ماكريستال ولم يكتفِ بالقبول باعتذاره عن سوء كلامه وسوء تقديره وسوء مساعديه الذين وصفوا أوباما بأنه غير واعٍ وغير منخرط وراضخ للتخويف في حرب أميركا في «أفغانستان، ووصفوا بايدن بأنه جاهل بالفحوى مكتفٍ بـ «العض»، ووصفوا جونز بأنه «مهرج» غبي. قرار باراك أوباما بطرد الجنرال المثير للجدل كان ضرورياً لانتشال الرئيس من مخالب الانطباع بأنه ذكي لكنه يفتقد كفاءات ومقومات القيادة. انما طرد الجنرال لن يكون كافياً لنفض الشكوك والتشكيك المستمر بقدرة باراك أوباما على القيادة بمعناها الأعمق، بل ان هناك من ينظر الى الموافقة على الاستقالة على أنها تمرين على القيادة الأسهل المضمونة النجاح على المستوى الآني فيما باراك أوباما، لو مارس القيادة التي تتطلب المبادرة والمجازفة والجرأة، لكان وافق مبدئياً على استقالة ماكريستال تأنياً له، ثم أعاد فوراً تأكيد الجنرال الكفوء في منصبه واضعاً بذلك متطلبات الحرب والوطن فوق الحسابات السياسية.

المتأهبون لاتهام باراك أوباما بالافتقاد الى صفات القيادة العسكرية هم أنفسهم الذين يشككون بقيادته المدنية ويتهمونه بـ «اغتيال» البنوك ومعاداة «وول ستريت» وتحطيم الشركات الكبرى الأساسية والضرورية لنمو الاقتصاد الأميركي.

يقولون ان باراك أوباما ينفذ وعود «التغيير» في أميركا ليس بمجرد اللون وأسلوب الحكم وانما «التغيير» الذي يصنعه وينفذه هو تغيير الهوية الرأسمالية الأميركية. بعضهم يقول ان باراك أوباما لا يفهم متطلبات القيادة في زمن أزمات اقتصادية كالتي تمر بها أميركا، والبعض الآخر يقول ان باراك أوباما يفهم ويفهم جيداً وهو يقود أميركا الى اليسار في شكل متهوّر.

ماذا سيحدث في بلد منقسم جذرياً بين يمين ويسار، كلاهما يتهم الآخر بالجهل ويكرهه بعمق، بينهما معارك مدنية وحربان تمزقان الوفاق على كيفية خوضهما ومواعيد الانسحاب من ساحتيهما؟ جزء كبير من الإجابة على هذا السؤال يكمن في اختبار قيادة باراك أوباما. هذا الاختبار يضع اليوم المؤسسة العسكرية الأميركية في واجهة القيادة ويمتحنها بصورة خاصة في حرب أفغانستان التي باتت في المرتبة الأولى في الحربين الأميركيتين، يليها العراق.

آنياً وظاهرياً وشعبوياً، سينظر معظم الأميركيين الى قرار أوباما بإقالة «الجنرال التائه» بأنه القرار الوحيد المتاح أمامه بعدما كسر ستانلي ماكريستال التقاليد والأعراف العسكرية القائمة على عدم التطاول على مَن هم في منصب أعلى لا سيما على القائد الأعلى للقوات الأميركية العسكرية الرئيس الأميركي المنتخب.

الأكثرية الأميركية ستنظر الى تعيين أوباما الجنرال ديفيد بترايوس قائداً للقوات الأميركية في أفغانستان بأنه «ضربة معلم» لأن ذلك يضمن استمرارية السياسة الأميركية العسكرية والاستراتيجية العسكرية التنفيذية في حرب أفغانستان. فديفيد بترايوس هو صمام الأمان للاستمرار في استراتيجية الحرب بلا انقطاع وهو الأكثر كفاءة لتنفيذ استراتيجية «الانتصار» التي حارب من أجلها ماكريستال.

وإذا كان ديفيد بترايوس ومعه كبار المؤسسة العسكرية الأميركية قد انتابه القلق من إفرازات طرد الرئيس باراك أوباما قائدَ القوات الأميركية في خضم الحرب في أفغانستان على القوات التي تخوض تلك الحرب، فإن تعيينه في المنصب هو الوسيلة الأضمن لاحتواء أي انقسام أو أية انتفاضة في صفوف العسكريين.

بكلام آخر، ان ديفيد بترايوس الذي يبدو اليوم الرجل الأكثر تأهيلاً لمنصب الرئاسة الأميركية مستقبلاً والرجل الأقدر على القيادة العسكرية والرجل الأعمق في صنع السياسة الأميركية، هو اليوم صمّام الأمان لرئاسة باراك أوباما موقتاً.

القوات العسكرية الأميركية في أفغانستان لن تكون مرتاحة لإقالة قائدها لأنه انتقد السياسيين في واشنطن لا سيما ان الجنرال ستانلي ماكريستال تمسك برؤيوية واستراتيجية تعزيز عدد القوات وتمكينها عملياً في ساحة الحرب. تحدى ماكريستال مقولة جو بايدن بأن في الإمكان تخفيض عدد القوات في أفغانستان والمضي بحرب محدودة ضد «طالبان» واصفاً ذلك بأنه عبارة عن تحويل أفغانستان الى «كايوستان»، (chaostan)، أي بلاد الفوضى العارمة. طالب بزيادة 45 ألف جندي كي يكون في الإمكان إيقاف «طالبان» عن الاحتفاظ بزخم المبادرة والانتصار العسكري في بقع الحرب الدائرة في أفغانستان وتحدث صراحة عن موازين الخسارة الأميركية إذا تجاهلت واشنطن طلب زيادة أعداد القوات. واشنطن وافقت أخيراً على زيادة 30 ألف جندي، وعلى رغم ذلك رفض ماكريستال التظاهر بأن الولايات المتحدة تنتصر ضد «طالبان» بل قال ان «لا أحد» رابح اليوم في هذه الحرب والمطلوب كسر زخم أية انتصارات لـ «طالبان» كي تربح أميركا الحرب في النهاية.


اقرأ مقال الرأي كاملاً


 
 


 

جميع الحقزق محفوظة
RaghidaDergham.Com
2010