|
تفيد الحركة الديبلوماسية والسياسية في المنطقة العربية هذه
الأيام بوجود بوادر اندفاع نحو صياغة استراتيجية واعية في وجه التحديات
المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط. لكن هذه الحماسة للاقدام تصطدم
بالخوف والتردد من جانب أطراف مهمة في المنطقة تعتقد بأن الاذعان للوضع
الراهن أضمن لسلامة المنطقة من تحديه. يصطدم أيضاً، بطبيعة الحال، مع
لاعبين غير راغبين في تفاهم عربي على ضرورة التفكير المشترك، وهؤلاء
يشملون التكفيريين والمتسلطين والناكرين للواقع والساعين الى الهيمنة
والزعامة وكذلك الهاربين من الاستحقاقات. هذا الاصطدام ليس نظرياً ولا
يقتصر على الاختلاف في التوجهات السياسية. انه ينذر بمواجهات عسكرية
غير تلك «المرتقبة» بين قوى التخريب والقوى المعارضة لها. فهناك كلام
عن سيناريوات افتعال حروب في دول عربية تعدها منظمات وتنظيمات سوية مع
جيوش عربية بتنسيق واشراف من دول أخرى مجاورة. وهذه ليست سوى واحدة من
المسائل التي تشغل البال على المستقبل العربي في زمن التغيب عن
المشاركة في تشخيص ما يحدث واتخاذ القرارات الضرورية ازاءه.
منطقياً، يفترض ان تتشاور مجموعة دول عربية
في عناصر استراتيجية ضرورية إزاء التحديات الكبرى في المنطقة لأنها تدق
في عصب مصير الأجيال القادمة ولأن القفز على التحديات تظاهر مسيء
للحاضر والمستقبل معاً. واضح أنه لا يوجد الآن قرار عربي يمكن لجامعة
الدول العربية ان تعبر عنه نظراً الى تباعد المصالح الوطنية بين الدول
العربية. لكن هذا لا يمنع ان تقوم مجموعة من الدول المهمة والمهتمة
ببدء الحديث عن طبيعة هذه التحديات والخيارات المتاحة أمامها. وهذا ما
يعمل نحوه بعض القيادات العربية.
أثناء مؤتمر البتراء الذي حشد العقول النابغة
في ميادين تتعدى السياسة ومجموعة من الحاصلين على جائزة نوبل للسلام،
حدث نوع من التفكير «خارج الصندوق» بمعنى التفكير غير التقليدي في
المشاكل المستعصية وتلك الجديدة في منطقة الشرق الأوسط. تبين ان بين
التحديات التي تتطلب التدقيق ورسم استراتيجيات لها ما تواجهه قيادات
عربية عندما تخرج من الأدوار التقليدية وتجرؤ على هزّ الوضع الراهن
كاشفة مدى سوء التمسك به والحفاظ عليه.
العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني يشكل
نموذجاً قيد الفرز للقيادات العربية التي تفكر «خارج الصندوق». انه
يخوض معارك التغيير الداخلي في البيئة الأردنية بما لا يتقبل تغيب
المواطن الأردني عن المعركة المصيرية مع التكفيريين. وهو يستدعي
التفكير الاقليمي في استراتيجية مشتركة إزاء قضايا مثل العراق وفلسطين
وايران. فالأردن، جغرافياً، واقع في خضم الزوبعة في هذه القضايا،
والملك منشغل بكيفية تفعيل التفكير الجماعي في هذه القضايا. فهو بدأ
سلسلة زيارات ولقاءات مع قيادات أساسية في المنطقة مثل مصر والمملكة
العربية السعودية وسيقوم بزيارات لاحقة الى عواصم أخرى حشداً للتفكير
العربي الجماعي في التحديات التي تواجه المنطقة.
وقبل يومين، أجرى الرئيس السوري بشار الاسد
اتصالاً هاتفياً بالعاهل الاردني يعتبر نادراً صدف وأنه تزامن مع انباء
صحافية افادت بأن الرئيس المصري حسني مبارك توقع زيارة الاسد له
للتباحث في قضايا تشمل كيفية تحسين وتطبيع العلاقات بين سورية والأردن
وبين سورية ولبنان. هذه الزيارة لم تتم، وليس ضرورياً ان يكون الاتصال
الهاتفي ذا علاقة بها، حسب المؤشرات. لكن ما سيتم في 28 الشهر ان
اجتماعاً رفيع المستوى سيتم في دمشق يبحث فيه الوزراء ملفات ثنائية
واقليمية مهمة.
العلاقة الأردنية - السورية علاقة تتأرجح بين
التوتر والتهدئة وهي ليست خالية من سيناريوات الصدام العسكري.
المعادلات العسكرية في هذه الآونة ليست المعادلات التقليدية التي كانت
سائدة في العقود الماضية عندما كانت سورية في علاقة «حلف» عسكري مع
الاتحاد السوفياتي أثناء الحرب الباردة. لذلك فإن أية مواجهة عسكرية لن
تكون بالموازين القديمة وانما قد يكون لها طعم المفاجآت، وسبب الكلام
عن مواجهات عسكرية عائد جزئياً الى تحالفات بين منظمات وبين الجيش
السوري، لايران دور فيها، تشمل سيناريوات تفعيل الساحة الأردنية
واللبنانية، حسب المصادر المطلعة.
|