|
أيام قليلة
وينتهي عهد اللامعاقبة على ارتكاب الاغتيالات السياسية
كوسيلة للنفوذ والسلطة في المنطقة العربية. ساعات معدودة
وسيسجل مجلس الأمن الدولي سابقة يرتجف منها كل من تورط في
جرائم ارهابية مترابطة في لبنان في السنتين الماضيتين، وفي
مقدمها اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري ورفاقه.
لا صفقات تحيّد وتحمي كبار المجرمين بغض النظر ان كانوا
على رأس أجهزة أو سلطة أو ميليشيا، ولا مناص من محاكمات
على جرائم ضد الانسانية. لقد أتت المحكمة على رغم أنف من
يحاربها ويسعى لتدمير لبنان ليخوّف من انشائها. مجلس الأمن
يستعد لتبني قرار فرضها بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم
المتحدة بعدما رفض رئيس البرلمان، نبيه بري، فتح أبواب
مجلس النواب لإبرام معاهدة انشاء هذه المحكمة التي وقعتها
الحكومة اللبنانية مع الأمانة العامة للأمم المتحدة وصادق
عليها مجلس الأمن الدولي. التحقيق في سلسلة الجرائم
الارهابية يجمع ويحفظ الأدلة ببالغ السرية ولن يتقدم
بالاسماء او الاستنتاجات الى مجلس الأمن الدولي في أي
مرحلة وزمن كان، كما أوضح تكراراً رئيس اللجنة المستقلة
للتحقيق في الاغتيالات، سيرج براميرتز، فهو قد أعد الملف
والقضية للادعاء في المحكمة. سيرج براميرتز، شأنه شأن سلفه
ديتليف ميليس، يعرف الحقيقة ويعرف تماماً ماذا جرى. وعلى
كل من لعب دوراً في المؤامرات الارهابية وكل من أعد أمراً
أو بقي ساكتاً عندما صدرت أوامر الاغتيالات أن يشعر بالخوف.
كذلك يجب أن يخاف كل من دبر ونظم وفجَر وقام بغسل مسارح
الجرائم لمحو الأدلة، وكل من عطل العملية الدستورية لإبرام
معاهدة انشاء المحكمة وكل من هدد بعواقب لانشائها من خلال
مجلس الأمن، على هؤلاء أن يخافوا جميعاً. فالمحكمة الآتية
لن تدخل في دهاليز المساومات والمقايضات السياسية ولن تكون
غرفة مغلقة للتوبة أو للإعفاء. انها المحكمة، وفيها يأتي
يوم المحاسبة على اغتيال أفراد وارهاب بلد بأكمله. فاذا لم
يردع انشاء المحكمة المتورطين في العمليات الارهابية، واذا
أدى بهم بدلاً من ذلك الى هستيريا القتل والتدمير والمزيد
من الاغتيالات والتفجيرات وبدعات ارسال زمرة ارهابيين من
أمثال «فتح الاسلام» الى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في
لبنان وذبح الجيش اللبناني، يفترض أن يعلموا انهم سيفشلون
في تجنب المحاسبة. فالمحكمة آتية لتسحب غطاء الحماية
ولتطلق مستقبلاً جديداً للبنان ولكامل المنطقة، مهما كانت
الأشهر المقبلة دموية وخطيرة وصعبة ومهما استُدرج لبنان
الى حروب فيه وعليه. فلتشد الأحزمة ولترتفع الرؤوس عالية
بثقة عارمة. فعصر الرعب سينتهي بسقوط أنظمة الرعب المذعورة
وعملاء الرعب البائسين مهما اختبأوا وراء مهاترات المكابرة.
ان المحكمة ضرورية بقدر ضرورة
التعرف الى الحقيقة في الاغتيالات السياسية. فالتخلي عن
المحكمة وعن الحقيقة في هذا المنعطف يعني الخضوع أمام
ارهاب من نوع آخر سيأتي باغتيال من نوع آخر: اغتيال الجرأة
على المحاسبة. وهذا بدوره سيؤدي الى غطرسة من طراز آخر
قوامها الانتقام والاخضاع ومنع تكرار تحدي السلطوية
القاطعة.
وليس صحيحاً أبداً ان يقال ان
التخلي عن المحكمة والحقيقة سيرحم لبنان من الارهاب
والعقاب ويحميه من الانتقام، بل العكس هو الصحيح. فلو نجح
الرافضون للمحكمة في تعطيل انشائها لشهد لبنان بالتأكيد
سلسلة اغتيالات أخرى لتلقين الأجيال الجديدة الدروس في
عواقب الجرأة على المحاسبة، ولأدى عدم المعاقبة الى
الاستمرار في قمع الاحتجاج وفي تكريس سلطوية الأنظمة
المجاورة التي تسن أسنانها لمص دماء الذين أخرجوا جيوشها
وأنهوا هيمنتها على لبنان.
لو تخلت الأمم المتحدة مجبرة عن
المحكمة، كما كانت تخطط سورية وتتمنى هي وحلفاؤها في لبنان،
لدخل البلد والمنطقة أجمع في مرحلة ظلام وظلم واستبداد
ولتم إخضاع لبنان لحكم «حزب الله» وشركائه الصغار
الاعتذاريين عن سورية. لو انتصرت أساليب تعطيل المحكمة،
الدستورية والمدنية منها، كما التفجيرية والارهابية، لوقع
لبنان في أحضان حكم جديد بعيد كل البعد عن الديموقراطية
والحرية، طينته مزيج من نموذج «الجمهورية الاسلامية» في
ايران والنظام السوري.
|