الصفحة الأولى السيرة الذاتية الخبر اليومي المقالات نصوص مقابلات آرشيف مقالات الرآي أرشيف الفيديو

للتعليق

 
 

مقالات الرأي السابقة - اّذار - مارس - 2006

 

كيف التعامل بالتهديد مع النزاعات الأهلية؟
2006/03/03


الجهود مستمرة لاشعال حروب أهلية في المنطقة العربية واصحاب هذه المساعي السيئة يراهنون على مخاوف اللاعبين الاقليميين من المواجهة معهم. أهم جدار يحول دون نجاح هذه الجهود هو الجدار الشعبي، إلا ان قطاعات كبيرة من الشعوب العربية قد وقعت في أحضان التطرف أو اصابها الوهن. وبالتالي فإن الاعتماد على حكمة الشعوب يشكل مقامرة في هذه المرحلة من الحياة العربية. الدول المجاورة للدول المرشحة للحروب الأهلية تفضل، معظم الأحيان وليس دائماً، ان تبقى هذه الحرب محلية وأهلية بدلاً من تطورها لتصبح اقليمية تجرها الى المعركة وتهدد الاستقرار الأوسع. لكن ما يحدث في هذه الحقبة من التاريخ يجعل «الاستئذان» عن الاستثمار في منع الحروب الاهلية في الدول المجاورة خياراً انتحارياً. فالاعتماد على التدخل الخارجي للقيام بالمهمات الصعبة ليس خياراً متاحاً كما في الماضي، بل ان الحروب الأهلية قد تدفع بالقوى الخارجية خارج المنطقة فيما تدمر المنطقة نفسها بنفسها.

المناطق المرشحة لحروب أهلية تشمل العراق ولبنان وفلسطين، وهناك بالطبع السودان حيث الحرب الأهلية أخذت اسماً مختلفاً وكأن دارفور التي تُرتكب فيها المجازر المقرفة يوميا ليست أراضي سودانية.

حكومة السودان تتقدم بعذر بعد الآخر وهي تتظاهر بأنها تعالج حقاً المأساة الانسانية في دارفور. القيادات العربية لم تتوقف لتتمعن في معنى عقد القمة العربية في الخرطوم الاسبوع المقبل، فيما مجازر دارفور مستمرة. فقد كان من الأفضل تجنب التضامن مع الحكومة السودانية سيما وان هناك أدلة على تورط مسؤولين كبار فيها بالمجازر التي يصفها البعض بأنها «إبادة جماعية» ويطالب بمحاكمة المتورطين بصفتهم مجرمي حرب.

هذا الأسبوع رفضت الخرطوم تحويل ملف دارفور الى الأمم المتحدة باعتباره «تدخلاً أجنبياً» وتذرعت بمخاوفها من ابتزاز شبكة «القاعدة» لتواجد قوات غربية في دارفور كي تتسلل الى السودان وتطلق منه حركة تمرد تشبه ما يحصل في العراق، ثم هددت بعواقب إذا فرض مجلس الأمن إرسال قوة دولية الى دارفور من دون موافقة الحكومة السودانية.

على القادة العرب الذين دعموا حكومة السودان في هذا الموقف ان يتفضلوا بأموالهم وقواتهم حالاً لتعزيز القوة الافريقية التي فشلت بالقيام بمهماتها في دارفور بسبب العجز المالي واللوجستي والتدريبي وغيره. فتحريض الافارقة على رفض تحويل مهمة حفظ السلام الافريقية الى مهمة دولية لا يرحم دارفور من مأساتها ومآسيها بعدما فتكت الميليشيات بالابرياء طوال ثلاث سنوات فاغتصبت وقتلت مئات الآلاف وشردت الملايين من دون عقاب او محاكمة.

دارفور عار على العرب الا يعالجوه ويمحوه بدور فاعل بدلاً من الاحتجاج على اهتمام اليمين الديني الاميركي أو اليسار السياسي بملف دارفور. فهذه حرب أهلية تتطلب تدخلاً دولياً بعدما فشل التدخل الافريقي بالقيام بالمهمة، ليس تقصيراً منه وانما لأنه لم يجد الدعم الواجب عملياً ومالياً ولوجستياً. فإذا أرادت الجيرة العربية المهتمة ان تدعم الخرطوم في مخاوفها من «القاعدة»، أمامها وسائل عدة متاحة غير مجرد التضامن مع حكومة السودان بمواقف سياسية أو بالتوافد الى الخرطوم لعقد القمة العربية. فالذي يحول دون تحول السودان الى عراق هو القرارات الصائبة وليس الهرب الى الأمام من الاستحقاقات.

مأساة العراق هي في تحوله الى ساحة استقطاب مرعب وحروب بالنيابة لمختلف اللاعبين. الغزو والاحتلال الأميركي باخطائهما الفظيعة ساهما بالتأكيد في تحويل العراق الى كارثة متصاعدة كما ساهما في اطلاق النعرات الطائفية. لكن الرئيس المخلوع صدام حسين خلق حالة استقطاب طائفي في العراق لتحقيق مكاسبه السياسية، فيما كان البلد أكثر ارتياحاً مع العلمانية.

المساهم الأكبر في دفع العراق نحو حرب طائفية أهلية هو أبي مصعب الزرقاوي وأمثاله من المتطرفين السنة من العرب والعراقيين. هؤلاء يريدون الحرب الاهلية للعراق لأنهم يريدون ان يكون العراق منبر وقاعدة التغيير في الجوار، أنظمة وحكماً. هذا يتطلب انتصارهم في حرب الارهاب. و «الانتصار» في قاموسهم، يتمثل في تقهقر القوات الاميركية انسحاباً، واضمن السبل وأسرعها لمثل هذا الانسحاب هو في حرب أهلية كاسحة وعارمة تدفع الإدارة الاميركية الى اتخاذ القرار بأن هذه «حربهم» وليست «حربنا».
 



 

دور روسي مهم في المنطقة... لكنه قد يكون مضللا
2006/03/10


اقتراح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بالعودة الى فتح ملف «وضع» مزارع شبعا كمدخل الى معالجة «نشاطات حزب الله والوضع في المنطقة» اقتراح لافت بفحواه وتوقيته. فهذا الوزير الذي سبق ومثّل بلاده لسنوات لدى الأمم المتحدة يفهم تماماً كيف توصلت الأمم المتحدة الى رسم «الخط الأزرق» الذي وضع مزارع شبعا في الأراضي السورية المحتلة الواقعة في منطقة ولاية القوة الدولية لفك الاشتباك بين سورية واسرائيل (اندوف). وهو قال هذا الكلام في اليوم التالي لمحادثات معمقة أجراها في واشنطن، وبعد اجتماعه بالأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان. تلك المحادثات ركزت على الدور القيادي الذي تلعبه موسكو في الملف الايراني النووي، لكنها تناولت أيضاً البعد الاقليمي للملف الايراني سورياً ولبنانياً وفلسطينياً وعراقياً، من ناحيته الروسية. وهذا مهم.

زيارة لافروف الى واشنطن ونيويورك تقاطعت مع زيارة رئيس اللقاء الديموقراطي النيابي اللبناني، وليد جنبلاط للعاصمة الأميركية والأمم المتحدة. وهو بدوره أبرز مركزية مزارع شبعا في تنفيذ القرار 1559 وفي الحوار الوطني اللبناني.

خلال الاسبوع المقبل سيستقبل وزير الخارجية الروسي في موسكو نظيره السوري، وليد المعلم، وسيبحثان في «قرارات مجلس الأمن»، حسب لافروف، وضرورة التعاون مع «اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في العمل الارهابي» الذي أودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.

رئيس تلك اللجنة، البلجيكي سيرج براميرتز الذي حل مكان الألماني ديتليف ميليس، سيقدم تقريره الأول الى مجلس الأمن ايضاً الاسبوع المقبل. ما يقال عن التقرير هو أنه «تقني» نظراً الى اعتبار براميرتز نفسه مسؤولاً عن تهيئة القضية للادعاء في المحكمة. ما لن يقوله التقرير حسماً وبصورة نهائية هو إما ان سورية تعاونت كلياً مع التحقيق أو ان يحسم انها لم تتعاون كاملاً مع التحقيق.

قد يكون في ذهن دمشق ان شراء الوقت لصالحها، وقد تكون محقة في ذلك. لكن هذا ليس بالضرورة صحيحاً اذ قد يكون براميرتز يستخدم الوقت الذي تشتريه دمشق وحلفاؤها لإعداد ملف يكبّل كل متورط في جريمة اغتيال الحريري ورفاقه. لذلك، يتردد ان براميرتز قد لا يسمي الأمور بأسمائها في هذا التقرير، عمداً، حتى وان أوحى بتورط دولة معينة في المنطقة. والسبب، انه يتصرف كمدع عام مستنداً الى الأدلة بدلاً من اعتبار نفسه مجرد رئيس فريق تحقيق يجمع الأدلة. فهدفه ليس إحداث ضجة في تقرير انتقالي وانما التقدم بتقريره النهائي بثقة كاملة بأن الادعاء جاهز للمحكمة.

أثناء هذا الشهر، من المتوقع ان يقدم كوفي انان تقريره الى مجلس الأمن حول ما توصلت اليه المفاوضات بين وكيله للشؤون القانونية نيكولا ميشال ووفد القضاة اللبنانيين في شأن «المحكمة ذات الطابع الدولي» لمقاضاة مرتكبي الجريمة. مجلس الأمن سيصدر قراراً جديداً، بعد تلقيه التقريرين، يعطي فيه انان ولاية جديدة تنقل الأمانة العامة من دور التقدم بالنصيحة الى دور المساعدة في إنشاء المحكمة.

الانجازات المتعلقة بالمحكمة مهمة جداً لأسباب عدة بينها ان تكون المحكمة جاهزة عند انتهاء التحقيق بدلاً من الكلام الذي ساد حول «سنوات» لإعداد المحكمة. فالترابط بين المحكمة والتحقيق مهم وضروري، وبراميرتز على تنسيق مع الدائرة القانونية في الأمم المتحدة التي تتسلم ملف المحكمة.

الحركة الأخرى في الملف اللبناني - السوري هي زيارة تيري رود لارسن، مبعوث الأمين العام الخاص المكلف مراقبة تنفيذ القرار 1559، الى المنطقة في الشق الثاني من الشهر الجاري. رود لارسن بدأ اتصالاته مع أطراف مهمة، دولية واقليمية، شملت زيارة له الى واشنطن أول من أمس ولقاء مع السفير السعودي لدى واشنطن الأمير تركي الفيصل الاسبوع الماضي.

المحور الرئيسي في المداولات الدولية في هذا المنعطف يصب في خانة كيفية تحديد هوية وملكية وانتماء مزارع شبعا نهائياً لأن لذلك علاقة فورية مع منطق المقاومة الذي يتمسك به حزب الله. فايضاح مسألة شبعا وملكيتها اللبنانية أو وقوعها في الأراضي السورية المحتلة هو السبيل الى معالجة جزء اساسي من الحوار اللبناني المتعلق بحزب الله وبالقرار 1559 الذي طالب بحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية.
 



 

عندما تصبح «اللبننة» اسلوباً إيجابياً للتغيير
2006/03/17


الفرز الجغرافي - السياسي الذي يحدث في منطقة الخليج والشرق الأوسط على مستوى الدول الكبرى لن ينتهي بأيام وأسابيع، بل الأرجح انه سيستغرق شهوراً وسنوات. كل الملفات ازدادت تعقيداً وكذلك ترابطاً في بعض الأحيان مع ان النفط يبقى أهم محرك للعلاقة الروسية - الصينية مع ايران، كما يبقى ركيزة اساسية في السياسة الاميركية نحو المنطقة. طهران تقدر أهميتها القصوى في علاقات الكبار لاعتبارات نفطية وهي عازمة على الاستفادة الى أبعد الحدود كي تحقق حلم الدولة الكبرى اقليمياً وتهيمن على المنطقة العربية. العرب في حيرة وخوف يترقبون التحركات الايرانية والمساعي الدولية لاحتواء الأزمة النووية. بعضهم يحاول التأثير في ايران عبر استرضائها وتقديم الخدمات لها، وبعضهم يحاول فتح حوار معها للأخذ والعطاء. وهناك البعض الذي يفهم تماماً ما هي الطموحات الايرانية الاقليمية ويفهم ايضاً كيف أتت الحرب الاميركية في العراق بفوائد على ايران وعلى الأنظمة العربية.

بين الاضرار الضخمة التي سببتها الحرب الأميركية في العراق نشوء معادلة ذهنية تربط بين الإطاحة بالأنظمة المستبدة وبين اندلاع الفوضى والتشرذم والحرب الأهلية في البلاد. ففشل ما سُمي بالنموذج العراقي كوسيلة للانتقال من الاستبداد الى الحرية ومن الديكتاتورية الى الديموقراطية لم ينسف الطموحات الأميركية فحسب، لقد نسف حلم بعض أهل المنطقة العربية بالتغيير. فما فعلته الحرب الأميركية في العراق أصبح كابوساً يمنع استفاقة الناس ويزيد من إحباطهم واستسلامهم لإملاء الأنظمة، بل ان الأمر اسوأ من ذلك، فلقد أصبح الخوف من مصير كمصير العراق حافزاً للتمسك بالأنظمة بصفتها صمام الأمان بغض النظر عما إذا كانت فاسدة أو تقمع وتحكم بالإذلال. هذا باستثناء لبنان، حيث كانت التجربة عكس التجربة العراقية بكل المقاييس بدءاً بناحية الاحتلال.

فلبنان تحرر من احتلال وهو لا يزال يقاوم تشعباته ومحاولات احيائه عبر الأطراف الموالية لدمشق وبالذات الفصائل الفلسطينية التي تصر على حمل السلاح خارج المخيمات الفلسطينية. «حزب الله» يتصرف كدولة داخل دولة متمسكاً بسلاحه، لكنه لا يقوم بالاحتلال لأنه جهة لبنانية وليس جهة خارجية. إذاً فالفارق بين التجربة اللبنانية وتلك العراقية هو ان أزمة العراق الراهنة جاءت نتيجة الاحتلال الاميركي للعراق وكذلك الاحتلال «العربي» المتمثل بالقوى الارهابية - الزرقاوية منها والبن لادنية - التي تلبس قناع مقاومة الاحتلال. هناك مقاومة عراقية للاحتلال الاميركي، انما هناك ايضاً ارهاب عربي وغير عربي يستخدم المقاومة العراقية لمآربه الخاصة، وبالتالي فإن ما أتى على العراق بالمآسي جاء من الخارج ولم ينبع اساساً من الداخل العراقي.

هذا لا ينفي ان اطاحة نظام الرئيس المخلوع صدام حسين نفذت رغبة شعبية عراقية بالتخلص من النظام الاستبدادي الذي جاء بالبؤس على الشعب العراقي وانها لربما لم تكن في المستطاع من دون العمليات العسكرية الاميركية.

فالمشكلة الأساسية في المجتمعات العربية تكمن في افتقادها الثقة بنفسها لإحداث تغيير في الأنظمة يأتي من الداخل. لذلك، فإنها تربض تحت إمرة الأنظمة التي تكرهها وتحلم بتدخل خارجي ينقذها منها.

فشل التجربة العراقية دب الرعب في القلوب لأن البديل عن الوضع الراهن، اذا كان يشبه العراق، بديل مرفوض ومستبعد الآن. ما يفوت الشعوب العربية الراغبة بالتغيير وتخشاه الآن، هو ان «العرقنة» ليست ابداً الخيار الوحيد المتاح، بل ان «اللبننة الجديدة» تشكل نموذجاً ايجابياً يمكن الاقتداء به.

في الماضي كانت «اللبننة» تعني الحروب الاهلية والقتل العشوائي على اساس المذهب والدين. كانت تعني تحول البلد الى محطة استقطاب للدول المجاورة التي يواجه بعضها بعضاً بعيداً عن أراضيها. فلبنان كان مختبراً لهوامش الديموقراطية المرجوة عربياً وساحة حرب بالنيابة بين سورية واسرائيل.
 



 

«حوار» أميركا وإيران: لا أحد يعرف ما تريده واشنطن
2006/03/24


الإدارة الأميركية على خطأ في إصرارها على حصر الحوار المباشر بينها وبين الحكومة الإيرانية في موضوع العراق. الأفضل أن تقرر واشنطن إما توسيع الحوار ليتناول الطموحات الإيرانية النووية والاقليمية، أو أن تقاطع طهران كلياً وتغسل أياديها من أية تفاهمات أميركية - إيرانية. فذلك التردد واتخاذ الخطوات الناقصة مؤذٍ في أكثر من ناحية. مؤذٍ لدول مجاورة لإيران كما للإيرانيين في الداخل والخارج الذين يرون أن الدور الأميركي المتأرجح يقوّض ويدمر طموحاتهم بديموقراطية في إيران بدلاً من تحكم رجال الدين والثوريين في حاضر البلاد ومستقبلها. لقد سبق وأخطأت إدارة جورج دبليو بوش في تناولها ملف العراق لأنها قامت بتحوير الوقائع وتحريفها لتلائم استراتيجية مدروسة كانت أُعدت مسبقاً اسمها عقيدة الحروب الاستباقية. وها هي اليوم تخطئ لأنها لم تحسم أمرها بعد بشأن ما تريده حقاً من إيران، لذا فهي تتصرف باعتباطية وتناقض وارتجال وتقع في فخ بعد الآخر من دون أن تمتلك الاستراتيجية الضرورية لمسألة بهذه الأهمية.

قد يكون من المستحيل للولايات المتحدة أن تضع استراتيجية نحو إيران طالما أنها تتخبط في العراق. حتى الذين دفعوا الولايات المتحدة الى حرب العراق ووعدوا بحرب بلا كلفة، بدأوا يتملصون من هذه الحرب التي باتت مستنقعاً للقوات الأميركية وللعظمة الأميركية. فكثير من المحافظين الجدد الذين اعتنقوا مذهب «الاستباقية» وأولئك الذين أرادوا الحرب من أجل إسرائيل - وبينهم ريتشارد بيرل صاحب نظرية حرب العراق من أجل المصلحة الإسرائيلية - يتملصوا الآن من مسؤولية الحرب وفشلها.

الرئيس بوش لا يقر بالفشل على رغم إقراره هذا الأسبوع بأنه أنفق رأسماله السياسي في حرب العراق، وتلميحه بأنه لا يرى مخرجاً من العراق طالما هو في الرئاسة. واضح أن الرئيس الأميركي لا يفكر بخيار الانسحاب المبكر من العراق على رغم أن هذا الخيار هو الأكثر منطقية ليس فقط من الناحية العراقية، وإنما أيضاً من الناحية الإيرانية. إذ وصل الدور الأميركي في العراق الى درجة اللاعودة عن كونه جزءاً من المشكلة، فيما يحاول أن يكون علاجاً لها. والآن، بدأت دوامة جديدة من نوعها على الساحة العراقية لم تكن هناك في مطلع الحرب، أي بوادر الحرب الأهلية، وأصبح على أقطاب الإدارة الأميركية أن يفكروا حقاً في ما هو دور القوات الأميركية في حرب أهلية في العراق؟ ماذا ستفعل هذه القوات أمام استمرار نزوح آلاف العائلات على أساس مذهبي في عملية «تطهير عرقي»، حسبما أكده رئيس الوزراء السابق اياد علاوي؟ وهل ستكون طرفاً في ما يسمى الآن بتغطية دستورية لتقسيم العراق؟

يقول البعض إن الإدارة الجمهورية لن تفكر في الانسحاب الفوري من العراق لأسباب انتخابية. قد يكون ذلك صحيحاً، خصوصاً أن هذه الإدارة برهنت أكثر من مرة أنها قادرة على تضليل الرأي العام الأميركي عبر الايحاء له بانتصارات وهمية وعبر ضرب أوتار العاطفة الوطنية عنده.

لكن الرأي العام الأميركي الراغب في انسحاب من العراق، يريد لحكومته ألا تلين مع إيران، بل ان تواجهها بحزم، حسب استطلاعات أخيرة. هذا يعني أن إدارة بوش تقع تحت المجهر من ناحيتي العراق وإيران، ليس فقط من وجهة النظر الدولية، وإنما أيضاً من وجهة نظر الناخب الأميركي.

قبل شهرين، بتاريخ 13 كانون الثاني (يناير)، تطرقنا في هذه الزاوية الى خيار الانسحاب الأميركي الفوري من العراق لإعادة ترتيب القوات العسكرية على الأساطيل البحرية وفي القواعد القريبة بما يمكّن من توجيه ضربات عسكرية جوية تدمر البنية التحتية الإيرانية، ويذكّر جميع المعنيين بأنها ما زالت دولة عظمى تُؤخذ بجدية. لكن الأكثر ايذاء في هذا السيناريو، كما أشرنا، هو ترك ايران داخل العراق من دون قوات أميركية «تؤمن» لها كل ذلك النفوذ. ذلك ان القوات الأميركية كانت بالأمس القريب تطوّق ايران في جيرتها في العراق وافغانستان، اما اليوم، فإن هذه القوات هي المطوقة، وهي عملياً تقوم بخدمة للنفوذ الايراني في العراق من خلال «تأمين» المناطق قبل تقديمها «هدية» الى طهران. فإذا انسحبت تتحرر من الانتقام كما من تكبيل خياراتها داخل العراق ونحو ايران.
 



 

منطقة متخبطة بين أوهام العرب وأوهام إسرائيل
2006/03/31

يوجد وهم مشترك بين التظاهر الإسرائيلي بأن الانسحاب الأحادي من الضفة الغربية وفرض الحل الانفرادي سيمحوان المشكلة الفلسطينية وبين التظاهر الفلسطيني بأن عدم الاعتراف بإسرائيل والتحدث بلغة الحسم المسلح سيمحو المشكلة الإسرائيلية. الوهم الآخر هو وهم ذلك الشارع العربي الذي يشتم أنظمته تكراراً باعتبارها تخدعه وتنتهك حقوقه، لكنه يتمسك في الوقت ذاته بها عندما تتحدث معه إما بلغة المقاومة والتحرير أو بلغة متطلبات الاستقرار، وكلتاهما لغة مصنوعة للاستهلاك المحلي.

ضحايا الأوهام العربية هم أنفسهم ضحايا الاحتلالات بكل أنواعها والوطنيات القومية بمختلف ألوانها ومعادلات الاستقرار بكل ما تمضغه من مباركة لبقاء أنظمة في السلطة مهما كانت فاسدة أو مهما ارتكبت من جريمة. إنه حلف «الاستقرار» الرافض للتغيير خوفاً من رياح تأتي بما لا يشتهيه حكام المنطقة من جهة. ثم هناك حلف «التدمير» الذي يضم لاعبين حكوميين ولاعبين غير حكوميين راغبين بالسلطة. يضاف الى ذلك حلف «المقاومة» الذي يَستخدم ويُستخدَم وتعمل أكثرية أقطابه على تعزيز الميليشيات طالما تنطلق من أراضٍ غير أراضيها. فلسطين ولبنان والعراق هي ضحايا هذه الأحلاف، كما هي ساحة تفجير الأوهام. الضحية الأخرى هي نساء وأطفال دارفور الذين يواجهون الإبادة الجماعية ويتعرضون لسياسة التهجير حيث يُستخدم الاغتصاب سلاحاً في الأرض السودانية التي استضافت القمة العربية بلا خجل أو اعتذار عما يحدث في دارفور من الحكومة السودانية.

قمة الخرطوم كانت فاشلة أساساً عندما تناولت هذه الملفات بالطريقة التي فعلت. كانت فاشلة لأنها تحدثت بلغة «التضامن» بأي ثمن وعلى أي حساب، ففضحت القادة العرب وسخرت من الشعوب. هذه قمة أخرى في مسيرة عربية مُخجلة حيث يُحترم الطغاة ويُحتفى بالزعماء الذين يتمترسون في السلطة على رغم وضوح الرغبة الشعبية العارمة بازاحتهم من المناصب.

القادة العرب لا يريدون أن يدخلوا طرفاً في المعركة اللبنانية حول تمسك رئيس الجمهورية اميل لحود بالرئاسة لأن هؤلاء القادة لا يريدون أن تقع سابقة دعم الحكومات العربية لحركة شعبية تطيح زعيماً في السلطة. واضح أنه لا يوجد اجماع عربي على الشق المتعلق بأزمة لحود، ولذلك حرصت قمة الخرطوم على الحفاوة بالرجل الذي عُزل جدياً في المحفل الدولي في الأمم المتحدة قبل ستة اشهر فعملت على إعادة الاعتبار له، عربياً.

ذلك «الاعتبار» سلخت الكثير منه موافقة اميل لحود على استبعاد وزير خارجيته فوزي صلوخ عن اللقاء مع الرئيس السوري بشار الأسد حضره نائب الرئيس فاروق الشرع ووزير الخارجية السوري وليد المعلم. فهذا التصرف يعكس ضعف رئيس الجمهورية اللبناني أمام املاء الرئيس السوري الذي تصرف أثناء قمة الخرطوم أيضاً من منطلق استعادة الاعتبار واستبعاد العزلة.

طريقة تصرّف لحود نحو رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة تفيد بأن رئيس الجمهورية لا يعير الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني أي اعتبار، ولا يثق به للقيام بمهمة بسط السلطة والسيادة على كامل انحاء البلاد. لذلك اراد لحود للقمة أن تدعم حق «حزب الله» بالمقاومة بدلاً من ايلاء مهمة مقاومة أي احتلال للأراضي اللبنانية الى الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية، كما دعا اليه السنيورة.

وحسناً فعل السنيورة بذهابه الى القمة بدلاً من مقاطعتها احتجاجاً على قصر نظر رئيسها السوداني عمر البشير والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى اللذين لم يجدا الوسيلة الضرورية لاحترام حتى ما يمكن لهما اعتباره انقساماً لبنانياً. فالسنيورة رئيس وزراء يمثل أكثرية منتخبة، أما لحود فأُرغم النواب على التمديد له بتجاوزات سورية للدستور اللبناني، أحسَنَ السنيورة عندما جلس بين الضيوف على القمة وليس وراء لحود. أحسن لأنه عندما حصل اللقاء العابر بينه وبين الأسد أبلغ الرئيس السوري برغبته في مقابلته. اعتذار الرئيس السوري عن عدم اللقاء واشتراطه «جدول عمل» للقاء في دمشق، لفت الأنظار الى التعالي السوري، لكنه لم ينتقص أبداً من الثقة بالنفس عند السنيورة وما يتمتع به لبنانياً واقليمياً ودولياً من درجة عالية من الاعتبار.