|
لو اكتفى المسلمون الغاضبون بمقاطعة المنتجات
الدنماركية احتجاجاً على نشر رسوم الكاريكاتور المسيئة للنبي محمد (صلى
الله عليه وسلم) في صحيفة دنماركية مجهولة لأدى هذا النوع من الاحتجاج
الحذق والمثمر الى اغلاق الصحيفة، على الأرجح، ولربما أيضاً الى اسقاط
الحكومة. فالمقاطعة المدروسة تؤذي الشركات، والشركات تمول الصحف عبر
الاعلانات، والحكومات معنية بحماية الاقتصاد. وبالتالي فإن الاحتجاج
حصراً بالمقاطعة، لو حدث، لأسفر عن ابلاغ الاعلاميين الجهلاء بأن
التطاول على نبي المسلمين ليس سبقاً صحافياً ولا حدثاً ولا هو حق مهني
وانما هو استفزاز وتحريض مكلفان ومرفوضان.
أما وأن الهيجان والتهييج هما اللذان تحكما
بردود الفعل العنيفة في الشوارع الاسلامية، فلا مناص من الاعتراف بأن
قوى التخلف والتطرف هي التي تتحكم بالمسلمين اليوم. وهذا واقع مخيف
وخطير يتطلب من المسلمين الواعين والعقلانيين ان يتحركوا بجرأة وعلناً
لئلا يتركوا الساحة مفتوحة لهيمنة قوى التطرف والجهل والاستغلال على
مستقبل المسلمين عالمياً.
رؤساء تحرير الصحف الأوروبية - وغيرها - الذين
أعادوا نشر رسوم تلك الصحيفة الدنماركية السخيفة ليسوا دعاة صيانة حرية
الاعلام وحرية التعبير. انهم يجسدون الغطرسة والغباء مجتمعين ويتصرفون
بإعفاء لأنفسهم من واجبات المسؤولية المقترنة بحق التعبير واستقلالية
الاعلام.
الاستفزاز حق أساسي من حقوق الاعلام يجب عدم
تحديه أو احتوائه. لكن هذا الحق يجب أن يرتكز الى أساس مهم هو الغاية
من الاستفزاز. استفزاز الفكر بهدف استدعاء أفكار جديدة استفزاز بنّاء.
الاستفزاز من أجل دفع المجتمع الى خارج الطوق المفروض عليه استفزاز صحي.
أي استفزاز بهدف التفكير المتجدد والجديد استفزاز مفيد لأن هدفه مفيد.
لكن الاستفزاز بلا هدف ولمجرد الاستفزاز ليس سوى تحريض مسيء افرازاته
خطيرة وهذا تماماً ما فعله رؤساء التحرير «المتنورون» باستفزازهم
الطبقة «الكادحة»، والأمية بمعظمها، عندما أعادوا نشر الرسوم المسيئة
للنبي.
كل المسلمين، مثقفين وأميين، متنورين وجهلاء، في
غاية الغضب من رسم صورة النبي تحدياً لأعراف الاسلام كما من الرسالة
الواضحة وراء أحد الرسوم الذي صور لباس رأس النبي على صورة قنبلة.
الرسالة الواضحة كانت الآتية: ايها المسلمون، أنتم ودينكم ونبيكم
ارهابيون.
لا هدف من هذه الرسالة سوى استدعاء ما يسمى
بصراع الحضارات والأديان. كل الكلام السخيف عن حق التعبير في الاعلام
كلام فارغ. فالاعلام الغربي لا يعطي نفسه «حق» نشر رسوم ترغّب باغتصاب
الأطفال مثلاً باعتبار ذلك من المحرمات المتفق عليها. فلماذا، اذن من «حق»
هذا الاعلام ان ينشر رسوماً رسالتها الى حوالي 1.3 بليون مسلم: أنتم
ودينكم ونبيكم ارهابيون.
حرية الاعلام وحرية التعبير حقوق أساسية يضمنها
الاعلان العالمي حول حقوق الانسان. انه حق عالمي وليس حقاً غربياً حصراً.
لذلك يخطئ الغرب في افتراض ان هذا الحق مبدأ غربي، ويخطئ المسلمون في
افتراض أن هذا الحق قابل للأخذ والعطاء من جانب الحكومات.
|