|
لا إلغاء الآخر ولا الحوار سيعالج الخلافات الجذرية في
الرؤية العربية نحو الذات ونحو دور الدين في السياسة
والتشريعات وتجاه فكرة الرضوخ للقيادة الايرانية لمنطقة
الشرق الاوسط، على أساس ان ايران هي صرخة الرد على اسرائيل،
وليس أمام العرب سوى الاختيار بين فكي الكماشة. واضح ان
الشرخ عميق وان الخطاب السياسي هو خطاب التخوين والتكفير
والتهم المتبادلة. ولأن هذه معركة تقرير المصير، فإنها
تتطلب نقاشاً صريحاً بناءً بين الأركان الفكرية في المنطقة
العربية بهدف الخروج باقتراحات تجنب المنطقة المزيد من
التصادم بدموية وتدخلها بدلاً من ذلك في البحث عن قواعد
الاختلاف مدنياً وحضارياً مع الاحتفاظ بحق الغضب والامتعاض
بتعبير سلمي. فلقد سبق ان دعت هذه الزاوية الى التفكير
بأصول وظروف وشروط التغيير في المنطقة وان كان «بيدنا أو
بيد عمرو». وطرحت السؤال الأساسي «ماذا نفعل»؟ وشارك كبار
المفكرين والكتاب والمعلقين في النقاش في صفحات «الحياة».
اليوم، توجه هذه الزاوية دعوة أخرى الى ورشة تفكير في
الدور العربي في تقرير توجهات وهوية ومصير المنطقة، وفي
الواجب العربي إزاء التحديات في العراق وفلسطين ولبنان
والصومال والسودان.
أتت الفكرة أثناء «المنتدى
الاستراتيجي العربي» في دبي هذا الاسبوع الذي شاركت فيه
نخبة من المهنيين والمفكرين في مختلف القطاعات وخاطبه علي
لاريجاني، المسؤول الايراني الأول عن التفاوض في الملف
النووي. ففي داخل الندوات، وعلى هامشها في الأروقة
والمطاعم، كان معظم الحديث حضارياً في الاختلاف وكان
الاختلاف عميقاً - حتى بين صفوف الاتفاق - عندما كان
السؤال: كيف نعالج الأمر وماذا نفعل؟
رأي كاتبة هذا المقال هو ان هذه
المرحلة من الاحتقان بحيث تجعل من الحوار تمريناً بلا جدوى.
الناس افترقت على قضايا، انما في الصميم، فالمسألة قضية
هوية وانتماء يتقاطع فيها الدين والمذهب والسياسة
والايديولوجيا. وبالتالي فإن الافتراق ليس سطحياً، بل هو
عميق. ولا بأس في هذا على الإطلاق، إذ انه جزء من فرز
ضروري للهوية والشخصية العربية في مرحلة مليئة بالتساؤلات
والتشكيك بالنفس ومفعمة بمشاعر النقص والخجل والاحساس
السري بالعيب مما يُدعى واقع الأمة العربية.
بداية، في هذه المرحلة من
التاريخ، ان الحديث عن «أمة عربية» هو بمثابة تضليل للذات
وللآخرين. حتى الكلام عن «نحن العرب» بصورة جماعية تنقصه
دوافع وعناصر مقومات الاستراتيجية الضرورية لإحداث تغيير
ملموس، حتى ان كان التعبير عاطفياً بصورة ايجابية.
إنها مرحلة التغيير دولة دولة
وبلداً بلداً لبنة بلبنة. من قسَم العرب، ومن فرَق العرب
ومن قلَص العرب الى مجرد هامش، ومن تآمر عليهم، ومن كان
متواطئاً ضدهم؟ هذه أسئلة تطرح باستمرار وتجد لها عند كل
مواطن عربي، ان كان فلاحاً أو استاذاً أو رجل أعمال أو
زعيماً، رداً يلوح به راية المعرفة والإدراك. انما هذا ليس
هو السؤال الآن ولا هو الموضوع الاساسي المطروح.
|