|
انطلق قطار المحكمة الدولية ولن
يوقفه المزيد من الاغتيالات الارهابية ولا طموحات المقايضة
مع الولايات المتحدة في العراق ولا مؤامرات إسقاط الحكومة
الشرعية المنتخبة في لبنان ولا حتى حرب أهلية تشعلها دمشق
أو حلفاؤها في لبنان. الضالعون في الجرائم الارهابية الـ15
وآخرها اغتيال وزير الصناعة بيار الجميل أطلقوا رصاص
الإعدام على أنفسهم، فمحاكمتهم آتية من دون أدنى شك حتى
ولو أفشلوا التوقيع اللبناني على المحكمة ذات الطابع
الدولي، اما باغتيال الوزراء أو عبر رئيس الجمهورية الذي
ما زال في السلطة بفضل فرض سورية تعديلاً دستورياً أثناء
هيمنتها على لبنان. مجلس الأمن الدولي صادق على مسودة
المحكمة ونظامها الأساسي الذي وافقت عليه الحكومة الشرعية
اللبنانية في أعقاب مفاوضات مطولة مع الأمانة العامة للأمم
المتحدة، وهذه سابقة تاريخية وانجاز عظيم. انما، حتى ولو
أُفشل هذا الاتفاق، فإن مجلس الأمن سيتحرك مجدداً لإنشاء
محكمة دولية من طابع ونوع مختلفين ولن تتطلب موافقة
الحكومة اللبنانية. فهو لن يترك التحقيق الدولي ينزلق الى
الحضيض أو يتأرجح على حروب مختلقة أو اغتيالات سياسية
متكررة لتجنب المحاسبة. وإذا لاقى نموذج سيراليون من
المحاكم حتفه لأنه يتطلب موافقة الحكومة المعنية، فإن هناك
نموذج يوغوسلافيا لمقاضاة مجرمي الحرب بلا استئذان سياسي
من أحد. ليسرع الأبرياء الى الاستدراك. وليتخذ السياسيون
قرارات جريئة وليتجرعوا «كأس السم» لأن فيه انقاذاً للبنان
وشعبه. وليكف هذا الشعب عن التظاهر بأن هناك مجالس
للمناورة الدائمة في المنطقة الرمادية. فهذا وقت الاختيار
الواضح بين أبيض وأسود لأن لا مجال هناك للتوفيق بين «مع»
و «ضد» المحكمة الدولية، بين «مع» و «ضد» عودة الهيمنة
السورية على لبنان، بين «مع» و «ضد» لبنان الديموقراطي
الذي منه وعبره تأتي النهضة العربية، وليس لبنان الذي
تقوده ايران الى حظيرة الالتحاق بايديولوجيتها الثورية
المعادية للعصرنة.
الشعوب العربية التي تجد اليوم
في الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد مثال القيادة والجرأة
على تحدي الولايات المتحدة هي نفسها التي وجدت بالأمس في
زعيم شبكة «القاعدة» اسامة بن لادن مثال «الرجولة» فكرست
عواطفها وشعبيتها لهما كي لا تطالب هي بالقيام بأي شيء.
انها الشعوب الكسولة نفسها التي تفرجت على العراق أثناء
استبداد صدام حسين به وسمت ذلك عروبة ووطنية، وهي ذاتها
التي رفضت الاحتجاج الفعلي الملموس والمستدام على الغزو
الأميركي للعراق قبل ان يحدث، علماً أنها لو فعلت لتمكنت
بالتأكيد من التأثير في الخطط الأميركية.
لهذا الطراز من الشعوب العربية، وليس
لجميعها لأنها ليست جميعاً من هذا الطراز المخجل، نقول اليوم من
لبنان ومن حيث يوجد لبنانيون: لا نريد عطفكم ولا نريد رأيكم بعد
الآن. إذا أردتم المقاومة ضد اسرائيل تفضلوا وخذوها الى الجبهة
السورية الأطول والأسهل. كفوّا عن لبنان فهو دفع ثمناً باهظاً وكان
حقاً مختبراً للفكر والقدرة العربية على الديموقراطية والقومية
والنهضة وأي اختبار آخر. لن ندفع ثمن عجزكم بدمائنا بعد الآن ولن
ندافع عنكم في المحافل الدولية. أنتم اخترتم النموذج الايراني
والثوري أحمدي نجاد واسامة بن لادن. وخيارنا ليس ذلك على الاطلاق.
علمّوا أولادكم البغض والكذب والانحناء، ونحن سنعلم أولادنا
التفكير العصري وحرية الاختيار واحترام الرأي الآخر والمعارضة
المدنية البعيدة عن الدموية والميليشيات والتحريض والسلاح.
الشعوب العربية منقسمة بالتأكيد، كما
الحكومات والقيادات والدول. الآن، وفي هذا المنعطف، لم يعد في
الإمكان التظاهر بأن الأمور على ما يرام بين المعسكرين الأساسيين.
ويجب القول لدولة قطر التي تحتل الآن المقعد العربي في مجلس الامن
الدولي ان عليها عدم استخدام لبنان لأي غاية تتعلق بها، فهو ليس
سلعة ولن يقبل اهله ان تتحول قضيته الى ورقة للمتاجرة من قبل احد.
|