|
معظم الحكومات العربية قرر الاستثمار في جورج دبليو بوش لولاية
ثانية، مستنتجاً باكراً ان الانتخابات الرئاسية الأميركية حُسمت لمصلحة
المرشح الجمهوري. كثير من هذه الحكومات وبينها العراق وسورية والسعودية
والسودان ومصر والمغرب والجزائر ولبنان، يعمل على أساس ان المرشح
الديموقراطي جون كيري خاسر وانه رجل غير مريح وغير مطمئِن في أي حال.
هذه الفورة لاستضافة مؤتمرات، وذاك الاقدام على آلية تعاون وتوثيق صلات
الاستخبارات، هي بمثابة «الصوت» الحكومي العربي لمصلحة بوش في
الانتخابات الرئاسية الأميركية. اللافت ان الطرف الآخر الذي يود أيضاً
ان «يصوّت» لجورج بوش هو قوى التطرف الاسلامي التي ترى في شخص بوش
وطاقمه ما يكفي من العقائدية والتطرف الديني بما يجعل صراع الأديان
وارداً، وهذا تماماً ما يتمناه التطرف الاسلامي ويرغب فيه. قد يكون
الرهان على المرشح الجمهوري ـ باختلاف أسسه ومراجعه ـ رهاناً خاسراً،
لكن من المفيد التدقيق في نوعية «الاستثمارات» العربية في الحملة
الانتخابية الأميركية وفي «عائداتها» على الساحتين العربية والأميركية.
وسورية مثال مميز يستحق البدء به.
كل المؤشرات تفيد بأن القيادة السورية تفضل
العمل مع ادارة بوش على انتظار تشكيل كيري طاقم ادارته في حال فوزه
بالرئاسة. هذا الشعور ليس مبنياً على التقليد القائل بأن الشر الذي
تعرفه أفضل من خير تتعرف عليه. انه منبثق من انعدام الثقة بكيري ومن
الخوف من مواقفه ومزايادته على مواقف بوش بلا بديل واضح عن سياساته
احياناً وبسياسات مخيفة أكثر احياناً أخرى.
سورية وبقية الدول العربية ترى ان مواقف جون
كيري من النزاع العربي ـ الاسرائيلي بذلك القدر من التحامل على العرب
والفلسطينيين لدرجة لن يكون ممكناً التعامل معها. فبسبب افراط كيري في
استرضاء القاعدة الانتخابية اليهودية، أصبح بوش أكثر «اعتدالاً» اذ انه
صاحب جملة لن يتمكن أي منافس له ان يمحيها وهي جملة الرؤية ـ رؤية قيام
دولة فلسطين الى جانب دولة اسرائيل، يتلفظ بها أول رئيس أميركي. كيري
لا يملك أي رؤية أو عبارة مماثلة.
اللافت ان التشكيك بكيري وتطلعاته مستقبلاً
أقوى من الخوف الحاضر من بوش وسياساته التي أثبت فيها قصر النظر مع
الحكومات العربية.
سورية مثلاً دولة يُفترض ان ترغب في أي بديل
من ادارة بوش لأن فيها محافظين جدداً يريدون أولاً وأخيراً تغيير
النظام السوري بأي شكل، لذا يُفترض ان تقف سورية متفرجة على الانتخابات
الاميركية بصلاة سرية كي يفوز أي كان باستثناء طاقم بوش الذي بمعظمه
يكره عمقاً القيادة السورية، الشابة منها والتقليدية
ما تقرر في دمشق هو عكس ذلك تماماً. والأسباب
عديدة، بعضها متزن وبعضها مغامر، بعضها واعٍ والآخر يركض بتعثر في
اتجاهات سير معاكس بحثاً عن مخرج خصوصاً بعدما وضعت الديبلوماسية
الأميركية ـ الفرنسية العلاقة الثنائية السورية ـ اللبنانية تحت
الرقابة الدولية بقرار مجلس الأمن 1559.
سورية أدركت أهمية ذلك القرار الذي تبناه
مجلس الأمن لإبلاغ دمشق انها أفرطت في لعب ورقتها في لبنان بإصرارها
على تغيير الدستور اللبناني من أجل ولاية ثالثة للرئيس اميل لحود. فذلك
القرار الذي يطالب بانسحاب القوات الأجنبية من لبنان والكف عن التدخل
في سياساته الداخلية هو انذار لسورية بأن زمن افتراضها لبنان عمقاً
استراتيجياً طبيعياً لها ولّى. فالقرار 1559 هو البلاغ الرقم واحد بأن
لبنان هو لبنان، ولم يعد ورقة تستخدم لاستعادة الجولان.
|