|
|||||||||
|
|
|||||||||
|
|
|||||||||
|
|||||||||
|
يطيب للبعض اختزال الحرب برمتها في الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وتحميله مسؤولية عدم استكمال الحرب على الإرهاب في افغانستان وفتح جبهة موازية في حرب العراق. يطيب للبعض الآخر أن يحمّل الحكومات العربية بالذات مسؤولية إفرازات القمع والديكتاتورية ومنع الأحزاب وحجب الحقوق عن المواطنين والتي انتجت التطرف والإرهاب. لوم جورج دبليو بوش على سياسات فاشلة في افغانستان ومغامرات بائسة في حرب العراق لوم في حله. انما في وسع جورج دبليو بوش، على رغم سقوطه الى أدنى الدرجات في استطلاعات الرأي العام الأميركي، أن يدعي أمام شعبه أنه نجح في إبعاد الإرهاب عن المدن الأميركية كما تعهد. يمكنه القول ان هذه كانت استراتيجية استدعاء الإرهابيين الى العراق لتطويقهم وإشغالهم فيما تؤخذ الاجراءات الأمنية اللازمة في الساحة الأميركية. فإذا كان قد فشل في تحقيق أهداف زرع ونشر الديموقراطية في العراق، كما زعم المحافظون الجدد ان تلك كانت الأهداف من الحرب ذات المبررات الزئبقية، يمكن لجورج دبليو بوش أن يدعي النجاح في تشحيل قدرات شبكة «القاعدة» وأمثالها. أما الحكومات العربية فاللوم عليها في محله سيما لجهة حجبها، منذ عقود، عن شعوبها الحق في الممارسات الديموقراطية مما ساهم جذرياً في تحويل الغضب الشعبي الى كنز في أيدي الاسلاميين الذين يسعون وراء السلطة والحكم بأي وسيلة كانت. فإذا لم يكن الانقلاب خياراً متاحاً بسبب دور العسكر مع الحكومات الحاكمة، فلتكن الحرب البديل المتاح: الحرب على الدولة وليس فقط على الحكومة، والحرب حتى على الناس وباستخدام الناس من أجل هدف الوصول الى الحكم والسلطة. فلا تفوق أخلاقياً للاسلاميين على الحكومات في السلطة كما يطيب للبعض الادعاء. انها السلطة، يا أغبياء. ومن أجل السلطة والاستفراد بالحكم، ينسق الاسلاميون مع دول مجاورة ومع أنظمة بعيدة وقريبة هدفها ضرب الاستقرار وبث الفوضى بما يسهم في الاستيلاء على الحكم وإخضاع البلاد الى ايديولوجيتهم بإملاء للقوانين والقواعد. فإذا اختارت الشعوب العربية والمسلمة طوعاً ورغبة وتشوقاً هذا النمط من الحياة فوق ما تقدمه لها الحكومات التي تتبنى الاعتدال وتقدم لها قدراً من حرية القرار وحرية العيش، لها الحق في تجنيد نفسها سلاحاً مباحاً في أيدي التكفيريين والاسلاميين المتطرفين والإرهابيين في الحرب من أجل السلطة. انما على هذه الشعوب، إذا اختارت ذلك أن تكف عن المبررات الزئبقية لخيارها والممتدة من الكفاح من أجل فلسطين الى الانتقام من العدو الأميركي والى ما هنالك، فالخيار مصيري وليس مجرد نزعة. فإذا تملك الاسلاميون بالحكم، فانه لخيار انعزالي كامل في زمن العولمة. أما إذا كانت الشعوب العربية والمسلمة منشقة الى معسكرين احدهما مع والآخر ضد الاسلاميين، فعلى المعسكر الذي يريد الحرية والاعتدال والانتماء الى عالم اليوم ورفض الإملاء والتكفير واستخدام الشعوب سلعة في الحروب من أجل الحكم والسلطة، عليه أن يدخل طرفاً في هذه الحرب المصيرية. فالمراقبة من بعيد تشكل مساهمة لصالح الاسلاميين المتطرفين وضد الاعتدال. والتوازن بين لوم السياسات الأميركية لا سيما نحو اسرائيل وبين لوم المتطرفين دولاً ومنظمات وخلايا وانتحاريين انما هو توازن هدفه الاعفاء من مسؤولية المشاركة في صنع القرار. وبالتالي وعندما يقع ارهاب على نسق الذي جربته خلية الأطباء في بريطانيا، ان الحياد غير مقبول وكذلك الصمت مرفوض. هي ذي قواعد الحروب التي تجر الشعوب وتستخدمها وتدخلها طرفاً مباشراً فيها. لذلك، ان الحياد خدعة وبدعة لأن الجميع قد تم استقطابه أو تجنيده إكراهاً في هذه الحرب المصيرية. وهي ليست فقط في عمليات كتلك في بريطانيا وانما هي الحرب الدائرة في العراق وفلسطين ولبنان وباكستان وافغانستان واندونيسيا وغيرها. ما لا يساعد على الاطلاق هو الحلقة الاسرائيلية ببعدها الأميركي بالذات، ذلك لأن الممارسات الاسرائيلية التي تنتهك القوانين الدولية والشرعية الدولية تذهب بلا محاسبة بسبب الحماية الأميركية لاسرائيل مهما فعلت. هذه الحماية مكلفة جداً للولايات المتحدة لأنها تقنن العداء نحو الأميركيين ولأنها تسلب من الولايات المتحدة الثقة بها وتوفر المبررات للذين يتهمونها بالازدواجية. ثم ان رفض الادارات الأميركية المتتالية ممارسة نفوذها واستخدام وزنها للتأثير في اسرائيل كي تنهي الاحتلال أو كي ترتدع عن بناء المستوطنات وتشيد الجدار العازل أو كي تقبل حقاً بالسلام، هذا الرفض سهّل على قوى التطرف الازدراء بقوى الاعتدال في المنطقة. الأسوأ انه ليست لدى الجمهوريين أو الديموقراطيين استراتيجية جدية للتعامل مع التحديات التي تفرضها قوى التطرف، الحكومية وغير الحكومية، أو للتعامل مع استقطاب هذه القوى للرأي العام والشحن الشعبي وراءها. توجد دراسات وتوصيات ودوائر وموظفون كبار رفيعو المستوى بألقاب ومهمات تحمل عنوان «الديبلوماسية الشعبية» التي تكسب القلوب والعقول. انما لا توجد استراتيجية تجرؤ على التعامل مع عنصر اسرائيل في المعادلة ولا هناك استراتيجية تتعاطى جدياً مع سياسات لدول صديقة، مثل قطر، أو غير مستحبة مثل سورية وايران. هذه الحقائق يجب ألا تحبط عزيمة الاعتدال ويجب ألا يأخذها المترددون ذريعة للحياد والصمت. فالحرب مصيرية لأهل المنطقة وليس للولايات المتحدة. فإذا اتخذت الولايات المتحدة قرار الانسحاب من العراق في الأشهر القليلة المقبلة، لن تكون مفاجأة لأهل المنطقة ان تحدث هجرة للمتطوعين والجهاديين والتكفيريين وأرباب الحروب الطائفية من العراق الى دول مجاورة عدة وبعيدة. والانسحاب آت وقد يكون آتياً بصورة أسرع مما توخاه البعض. فإذا كان الانسحاب سيتم الى قواعد اميركية في مناطق من العراق، قد يحدث تقسيم للعراق كأمر واقع. أما اذا كان الانسحاب هرولة الى خارج العراق من دون قواعد اميركية هناك، فإن تشرذم العراق قد يكون النتيجة. قد ينظر البعض الى مثل هذه النتيجة على أنها هزيمة للولايات المتحدة في العراق. انما السؤال هو: لمن الانتصار؟ ايران التي استفادت أكبر استفادة من الغزو والاحتلال الاميركي للعراق قد تهتز في الصميم إذا ورثت عراقاً هائجاً، مقسماً أو مشرذماً. سورية ستصاب بخضة لأن المتطوعين الجدد سيرتدون عليها حالما يتضح لهم أن اسرائيل تقود حملة حماية النظام في دمشق لأنه يناسبها ويرفض فتح الجبهة معها أمام أي كان. دول الخليج العربية سترتعب من الانسحاب الأميركي ليس فقط لأنه يترك وراءه عراقاً هشاً تنهشه الطائفية والقوى التدميرية وانما أيضاً لأن العراق سيصبح أكبر المصدرين لقوى التدمير والإرهاب الهائجة على السلطة. ثم هناك الخطر الآتي من باكستان الذي بدأ يستحوذ على الاهتمام الأميركي لدرجة توحي بأن الادارة الأميركية قد تبدأ بالانصباب على خطر القنبلة النووية التي تملكها باكستان بدلاً من الانصباب على خطر امتلاك ايران قدرات تصنيع القنبلة النووية. وهذا سيريح ايران، ولو مرحلياً، فيما تلعب على الوقت وعلى المفاوضات الديبلوماسية التي تجريها مع الاتحاد الأوروبي ومفاوضات الصفقة التي تجريها مع الدكتور محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية. البرادعي، حسب المؤشرات والمعلومات، لا يعمل حصراً على الناحية النووية التي تخصه بصفته المدير العام للوكالة وانما يعمل على صفقة أكبر تأخذ اساساً لها مقومات التطبيع الأميركي - الايراني، المتمثلة في الالتزام الاميركي بالكف عن لغة «محور الشر» وبعدم اطاحة النظام في طهران. جزء من الإدارة الاميركية يقسم انه لن يسمح للبرادعي بتجاوز القرارات الدولية التي اشترطت تعليق ايران تخصيب اليورانيوم مهما أتى بأفكار خلاّقة، ويقسم ان واشنطن لن تبارك النظام ولن تسمح له بامتلاك القدرات النووية العسكرية. هذا الجزء يترأسه نائب الرئيس ديك تشيني الذي يدعو الى مواجهة عسكرية مع ايران وليس الاذعان أمامها بمصالحة وحوار تسعى وراءهما وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس. ولذلك تزداد التعزيزات العسكرية في المنطقة وفي مياه الخليج. الجديد الآن هو ما أكده هذا الاسبوع الجنرال الاميركي المتحدث الرسمي باسم القوات المتعددة الجنسية في العراق، كيفن بيرغنر، ان القوات الاميركية ألقت القبض على عناصر مسلحة تنتمي الى «الحرس الثوري» الايراني والى «حزب الله» اللبناني، وعثرت على وثائق تثبت تورط ايران الرسمية في عملية مهاجمة مركز التنسيق في كربلاء في كانون الثاني (يناير) أدت الى قتل 5 جنود اميركيين. طهران و «حزب الله» ينفيان التورط ويزعمان عدم التدخل في العراق. لكن تقدم بيرغنر بأسماء ووثائق أضعف النفي كما أضعف جناح كوندوليزا رايس ووفر ذخيرة لفريق ديك تشيني في معادلة ايران. حلقة ايران مهمة جداً في القرارات الاميركية وفي تأثير هذه القرارات على المنطقة ككل. فغض النظر عن امتلاك ايران القدرة النووية، حتى وان كانت الوكالة الدولية تراقب وتزور المفاعل، سوية مع تقديم ضمانات بقاء النظام انما ستكون مساهمة عظمى في هيمنة ايران على المنطقة العربية أجمع. اما توجيه ضربة عسكرية الى ايران فانها قد تساهم في تأجيج المشاعر الشعبية - العربية والمسلمة ضد الولايات المتحدة وفي تعاطف مع حكم الائمة في طهران. والى ان تحسم الإدارة الاميركية أمرها في العراق وايران، نحو افغانستان وباكستان، نحو فلسطين واسرائيل، ونحو سورية ولبنان، سترتفع وتيرة محاور التطرف في هذه الدول وبمساعدة حكومات بعضها. هذه الحكومات التي تمتلك أوراق المتطوعين والمرتزقة في حروب التدمير ولها خبرات وتاريخ في التعبئة والتشبيع وفي صنع الخلايا انما هي المستفيد الآني من تحالفات التطرف والارهاب. اما على المدى البعيد فانها لخاسرة. ذلك ان الوحش الذي تساهم في خلقه في حديقتها الخلفية سيرتد عليها عاجلاً أم آجلاً. أما ما يتحول اليه الأطباء والآباء في تبعية عمياء الى ما يشبه «الفرقة الدينية» فإنه تحد يستحق حقاً استفاقة شعبية جدية بين العرب والمسلمين أينما كانوا وقبل فوات الآوان. |
|||||||||
|
راغدة درغام - نيويورك - الحياة - 2007/07/06 |
|||||||||
|
جميع الحقوق محفوظة |