|
|||||||||
|
|
|||||||||
|
|
|||||||||
|
|
|||||||||
|
|||||||||
|
لدى القاعدة الشعبية في المنطقة العربية أدوات بدأت تخيف القيادات التي اطمأنت سابقاً الى نجاحها في احتوائها. وهي أدوات مرشحة الآن لتكون وسيلة الخلاص لبعض الدول، إذا أدركت القيادات فيها أن لا خيار لها سوى التحالف مع القاعدة الشعبية داخل حدودها حصراً من أجل انقاذ البلاد، ولربما انقاذ نفسها أيضاً لو انقلبت على فكرها وماضيها. سورية ومصر ولبنان مثال على إمكان الاستفادة من استفاقة الناس يما يخدم البلاد بدلاً من اعتبار الناس عدواً للحكم يجب سحقه بصورة ما. منطقة الخليج لن تبني علاقة صحية بين الحكام والشعب طالما أنها تتبنى منطق ترشيد الديموقراطية وتقطير الاصلاح. أما الدول التي اعتبرت حكم أجهزتها الأمنية الإجابة الوحيدة عن سعي الأحزاب الإسلامية المتطرفة الىالسلطة، وهي عديدة، فإنها مندهشة لاستغناء واشنطن عن خدمات في مكافحة الإرهاب، مما يضعها وأجهزتها الأمنية في خانة مواجهة المعارضة لها، إما بمعزل أو بغض النظر عن عنصر الإرهاب. الشكوك لا تزال تتحكم بالعلاقة بين شعوب المنطقة العربية وحكامها من جهة، وبين هذه الشعوب والسياسات الأميركية نحوها من جهة أخرى. الجديد هو موقع بعض الأنظمة العربية في برامج عناصر فاعلة جديدة وعديدة، فيما كانت سابقاً تحصر وزنها بموقعها في الإعراب لدى الإدارة الأميركية. بعض الأنظمة يشعر كأنه «ضحية الخيانة»، إذ اعتبر استثماراته مع الولايات المتحدة رصيداً كافياً لحمايته مهما كان. بعضها لا يزال يأمل بأن تكون سياسة الرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش عابرة لسنوات ثلاث آتية تعود بعدها الولايات المتحدة الى سياسة ربط المصلحة الأميركية باستقرار الأنظمة واستقرار المنطقة. سيكون رهان هؤلاء خاسراً لأن الفسحة الزمنية ليست مُقفلة وإنما هي متأججة بجديد نوعي في العاطفة العربية الشعبية بالطبع. ان الانقسام حيال الغايات والأهداف الأميركية في المنطقة العربية قد يخدم في احباط التفاؤل بتغيير والأمل بجديد على الساحة العربية. لكن من الخطأ الفادح للحكام في المنطقة العربية الترفع عن فهم ما تشهده الساحة الشعبية، تلك النابضة بالتظاهرات التي ترفع شعارات «الحقيقة» كما في لبنان، أو «كفاية» كما في مصر، أو تلك التي تحجب الشرعية عن هؤلاء الحكام بصمتها. فالرسائل واضحة الى الأنظمة والحكومات العربية ولا انقسام حولها، إذ أن الانقسام هو حول الدور والمساهمة الأميركية في التغيير المنطلق من المنطقة. رغم ذلك، أمام القادة العرب خيارات. أمام الرئيس السوري بشار الأسد، مثلاً، خيار غير الغضب والخوف من الطوق الدولي والاقليمي الذي ضُرب حوله وعليه بسبب الأخطاء في لبنان ونحو العراق وداخل العمق السوري، أمامه خيار نقلة نوعية فكرية تنقلب على ما اعتبرته دمشق تقليدياًَ «وزنها» الضروري الاقليمي والدولي عبر ما سُمي ورقة أو أوراقاً لبنانية أو إيرانية أو فلسطينية أو غير ذلك. الخيار الجديد، ولربما الوحيد، هو الإقرار بأن سورية في حاجة الى استراتيجية بديلة تتخلص من عقدة الوزن الاقليمي عبر أوراق غير سورية. الإقرار بأن سورية مؤهلة لأن يكون لها محل في الإعراب ونفوذ مع بقائها داخل الحدود السورية حصراً. هذا الخيار يتطلب الكف عن ربط أهمية سورية بأفعال قيادتها خارج حدودها. فهذا زمن ولّى وفات ومن الضروري للقيادة السورية أن تستوعبه وبسرعة. مثل هذه الاستراتيجية، إذا تبناها الرئيس الأسد، تستدعي بالضرورة جرأة على حلف جديد يحل مكان التحالفات القديمة مع أطراف الجيرة السورية وداخل البقعة السورية. يتطلب حلفاً مع الشعب السوري والقاعدة الشعبية السورية التي تمتلك أدوات اضفاء الشرعية على قيادتها وحماية حكومتها من مشاريع ضدها. فالشعب السوري هو صمام أمان ضد بلقنة سورية والاعتداء عليها شرط أن يثق الشعب من صميمه بقيادته وأن تثق هي به. وهذا، في الواقع، غير متوافر الآن إنما ليس معترفاً به من جانب القيادة السورية. وهنا الخطأ والخطر. باستطاعة القيادة السورية الشابة أن تطلب من القيادة القديمة التنحي جانباً، أقله لأن القيادة القديمة لم تأت على سورية بالنعمة والرخاء والمكانة الدولية، بل العكس. فالعذر متوافر. وإذا استدرك الأمر الآن توجد فرصة أمام سورية. أما إذا بقيت القيادة في دهاليز الانتقام وتقطير استيعاب الأوضاع وتنفيذ المطالب، فإن السمعة الملتصقة بها حالياً ستهلكها، وهي سمعة تُهمس في الأوساط الدولية والعربية لتقول إن القيادة الشابة قديمة العهد بطبيعتها ورفضها الاستماع والاصغاء. إن تماسك سورية ووحدتها أمر يهم كل عربي وليس فقط كل سوري، وإن خروج سورية من لبنان ليس مطلوباً فقط من اجل لبنان وإنما هو أيضاً مفيد لسورية، إذ حان لسورية أن تهتم بسورية. حان للقيادة السورية أن تهمها سورية البلاد وليس فقط سورية ذات الأوراق الاقليمية التي ولّى عهدها. والفرصة متاحة ومتوافرة الآن عبر وقف استراتيجية الأوراق الاقليمية الممتدة من لبنان الى فلسطين الى العراق. أحد أعضاء الكونغرس الأميركي، وهو مطلع عن كثب على الملف السوري ـ اللبناني في العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة، قال: «حتى الفوضى الآتية من سورية لا تخيفنا». رسالته الى دمشق هي ضرورة التوقف عن المساومة على المقابل قبل الإقدام على ايجابيات، وعن التخويف من العواقب باعتبار ان دمشق تمتلك أدوات ضبط الأمور أو اطلاق الفوضى والتخريب. هذه استراتيجية سترتد على دمشق اذا لم تعد النظر فيها، وبسرعة. فأدوات الماضي لم تعد بالحدة نفسها اليوم، سوى باتجاه إلحاق الأذى بالنفس. مرة اخرى، الخيار متاح أمام القيادة السورية عبر لبنان وفي اتجاه العمق السوري. عبر لبنان من خلال التأكد بأن سحب الجيش والاستخبارات العسكرية والمخابرات المدنية من لبنان سيكتمل فقط عند قطع العلاقة مع/ والاستغناء عن الاجهزة الامنية اللبنانية. وهذا ما يتوقعه الجميع. فإذا حدث، تكون القيادة السورية قطعت شوطاً مهماً في العلاقة مع الجوار، انما لن يكون ذلك كافياً لها. فالعلاقة الأهم لها هي مع قاعدتها الشعبية حيث الصمت، انما بغليان. لبنانياً، حيث ترتفع الأصوات بالتحذير ويتفاقم الخوف من التفاؤل، ليس البعد السوري وحده الذي سيقرر مصير البلاد، رغم أهميته البالغة. فالامتحان الآتي هو امتحان الاقتصاد. وهذا الامتحان بالذات هو الذي يتحدى المواطنية اللبنانية الى الصدق والعطاء. فالأموال الخليجية الضرورية للاقتصاد ولليرة اللبنانية قد تنحسر بسبب القلق من المتفجرات وانعدام الأمن، وهذا سيهدد تماسك مسيرة التغيير في البلاد. الأموال الاميركية او الأموال الأوروبية لن تتدفق الى لبنان لتحل مكان الأموال الخليجية. ولكن، إذا اتخذ اللبنانيون أنفسهم قرارات ذات نقلة نوعية، ففي وسعهم، كرجال أعمال وكأغنياء ومستثمرين، أن يستثمروا في لبنان ثقة وعزماً على المواطنية بمعناها العميق. عندئذ، قد يتجرأ المستثمرون الخليجيون على البقاء، وقد يتجرأ المستثمرون الاميركيون والأوروبيون على المجازفة. الخطوة الاولى لبنانية اولاً، وفيها أهم امتحان. فيها ايضاً جعل التجربة اللبنانية نموذجاً وايحاء لتغيير في المنطقة العربية يضعها على طريق جديد نحو التعافي والديموقراطية والنقلة النوعية في فكر الشعوب والقيادات. بين انجازات التجربة اللبنانية حتى الآن، انها أوحت الى حركة «كفاية» في مصر ببعض المظاهر، وهي حركة تنطوي بدورها على إحداث تغيير، إما عبر فهم القيادة لضرورة التفاعل معها، او عبر اضطرارها لفرض نفسها رغم القيادة. كلا التجربتين معرض ومهدد لأسباب مختلفة. كلاهما يعاني من مكابرة الاجهزة الأمنية ومن اصرار السلطة على انها المفيد الوحيد، لكنهما يعانيان من تشكيك في دعم الخارج للانطلاقة الداخلية. ولذلك يعود تكراراً التساؤل حول الدور الاميركي. أولئك الذين يبشرون بأن جورج دبليو بوش هو الذي يبعث في المنطقة العربية رسالة الديموقراطية، يعتقدون انهم انتصروا في حرب العراق، وان العراق بات النموذج القابل للتصدير في المنطقة العربية. انهم عمي وأغبياء، وعندهم حس الغيرة من تأثر بوش بفكر الاسرائيلي ناثان شارانسكي القائم على المناداة بالديموقراطية العربية كشرط مسبق لحل عادل للقضية الفلسطينية والنزاع العربي ـ الاسرائيلي. انه منطق ناقص وفهم ناقص وسياسات ناقصة وخطيرة بقفزها على وقائع واضحة. فهذه السياسة بالذات هي التي باتت عقبة وعرقلة وعبئاً على الاندفاع العربي الشعبي نحو الديموقراطية والتغيير وضد الأنظمة المستبدة. انها السبب الرئيسي لافتقاد الثقة بالولايات المتحدة الاميركية. فكما أن معالجة النزاع العربي ـ الاسرائيلي يجب ألا تكون شرطاً مسبقاً لقيام الديموقراطية في المنطقة العربية، فإن قيام الديموقراطيات يجب ألا يكون شرطاً مسبقاً لحل عادل لهذا النزاع السياسي. العرب الذين يريدون تحييد القضية الفلسطينية كلياً وهم يبشرون بالابن المرتد على ابيه يقصدون شراً، وهم اعتذاريون للمتطرفين الاسرائيليين والأميركيين ولديهم عقدة شارانسكي. انهم يحتفون بدبليو وكأنهم يقتلون الاب فيهم، إذ يعتبرون مثال النقمة والانتقام من جورج بوش الاب وسياساته. سياسات بوش الابن أفضل للمنطقة من زاوية الاستغناء عن الأنظمة والكف عن اعتبارها ركن الاستقرار. لكن لا مؤشر هناك الى سياسة بديلة واعية ومتماسكة وجاهزة لدعم المؤسسات والمعارضة، وان هناك دلائل على رغبة في مجرد نسف الاستقرار واطلاق الفوضى كوسيلة لاسقاط الانظمة. البعض في المنطقة العربية يرحب بذلك على أي حال لأن الوضع الراهن لا يطاق، البعض الآخر يرى ان بوش يحارب الارهاب نيابة عن العرب، ولمَ لا، في رأيه البعض يريد ان يركب عربة الدعوة الى اسقاط الانظمة العربية حتى عبر الفوضى والحروب والبعض الآخر يشكك بالعربة الاميركية وقبطانها. اثناء مؤتمر «حول الديموقراطية والتجارة الحرة» في قطر هذا الاسبوع، قال نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم «أخشى ان يتحول التفاؤل الى غضب... ان يتحول التعطش للديموقراطية الى غضب». خشيته في محلها، خصوصاً إذا بقيت الأنظمة غائبة عن واقع الشعوب. الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، قال: «نحن خائفون مضطربون... وغاضبون»، فعكس بذلك الاجواء العربية العامة والتي هي ليست أبداً بالضرورة سلبية رغم الخوف والاضطراب والغضب. هذه المشاعر هي التي تصنع الرغبة والاستعداد للتغيير، انها الأدوات لدى القاعدة الشعبية التي لم تستخدم لعقود وها هي الآن تبرز في اكثر من عاصمة عربية احتجاجاً عالي الصوت أو احتجاجاً صامتاً.
|
|||||||||
|
راغدة درغام - نيويورك - الحياة - 2005/04/01 |
|||||||||
|
جميع الحقزق محفوظة |